العرب وإيران: تنافس جيوسياسي في ظل غياب نظام إقليمي مستقر
غالباً ما يُصوَّر التوتر بين العرب وإيران باعتباره صراعاً مذهبياً بين السنة والشيعة. غير أن هذا التفسير، رغم حضوره الإعلامي، لا يروي القصة كاملة. فالصراع في جوهره ليس صراع عقائد بقدر ما هو تنافس جيوسياسي على النفوذ والأمن في منطقة لم تعرف منذ عقود نظاماً إقليمياً مستقراً، أي مجموعة من القواعد والتفاهمات الضمنية أو الصريحة التي تنظم اللعبة بين الفاعلين الرئيسيين، ينظم علاقات قواها المختلفة. وفي ظل هذا الفراغ، تحولت العلاقات العربية الإيرانية إلى أحد أهم محاور التوتر في الشرق الأوسط.
فجوهر الصراع هو تنافس جيوسياسي على النفوذ والأمن، بينما تُستخدم الطائفية في كثير من الأحيان أداةً للتعبئة السياسية داخل صراعات أوسع تتعلق بتوازنات القوة في الإقليم.
بدأت هذه العلاقة تأخذ منحى مختلفاً منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، حين دخلت المنطقة مرحلة من عدم الثقة المتبادلة. فقد تبنّت طهران في تلك المرحلة خطاب "تصدير الثورة"، وهو ما أثار قلقاً واسعاً لدى الدول العربية، خصوصاً في الخليج. ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتعمّق الفجوة وتترك ندوباً عميقة في الوعي السياسي الإيراني، الذي شعر بعزلة إقليمية بعد وقوف معظم الدول العربية إلى جانب العراق.
وفي هذا السياق، طورت إيران استراتيجية نفوذ اعتمدت على بناء شبكة من الحلفاء المحليين، الأمر الذي أدى إلى بروز قوى سياسية وعسكرية مرتبطة بها في ساحات مثل لبنان والعراق واليمن. وقد رأت دول عربية عديدة في هذا الحضور تهديداً لتوازن القوى وتدخلاً في شؤونها الداخلية.
ويمكن فهم جزء من هذا التوتر أيضاً من خلال ما يسميه علماء العلاقات الدولية "معضلة الأمن"؛ فالدول، في سعيها لتعزيز أمنها، قد تتخذ خطوات تراها دفاعية، لكنها تُفسَّر من قبل جيرانها باعتبارها تهديداً مباشراً. وهكذا تدخل المنطقة في دائرة من الشك المتبادل، حيث تتحول إجراءات الحماية إلى مصادر قلق للطرف الآخر. وفي هذا السياق، تنظر إيران إلى شبكة حلفائها الإقليميين باعتبارها ضمانة لأمنها في بيئة إقليمية معادية، بينما ترى دول عربية عديدة في هذه الشبكة توسعاً لنفوذ إقليمي يهدد توازن القوى في المنطقة.
غير أن هذا التنافس لا يمكن فهمه بوصفه ثنائية بسيطة بين طرفين. فالواقع الإقليمي أكثر تعقيداً؛ إذ كشفت الأزمة السورية مثلاً أن التحالفات لا تسير دائماً وفق خط عربي–إيراني واضح، بل تتقاطع فيها المصالح وتتداخل المحاور. كما أن صعود قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا، التي أصبحت لاعباً مؤثراً في ملفات سوريا وشرق المتوسط، يؤكد أن الحديث عن نظام إقليمي جديد لا يمكن حصره في علاقة العرب بإيران وحدها.
ومع ذلك، فإن اختزال الصراع في أبعاده الخارجية يبقى تبسيطاً مفرطاً؛ فالهشاشة السياسية وضعف المؤسسات في بعض الدول العربية، كما تجلّى في انهيار الدولة في ليبيا واليمن أو الانقسام السياسي في لبنان والعراق، شكّلا بيئة خصبة سمحت بتوسّع هذا التنافس. فالفراغ المؤسسي غالباً ما يحوّل الدول إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وفي موازاة ذلك، يبقى الصراع العربي الإسرائيلي جرحاً مفتوحاً وعنصراً محورياً في تشكيل وجدان المنطقة. فمنذ نكبة عام 1948 لم تكن القضية الفلسطينية مجرد نزاع حدودي، بل قضية عدالة تاريخية تتعلق بحقوق شعب ووطن. وفي هذا السياق، سعت قوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران، إلى توظيف هذا الملف عبر دعم فصائل مسلحة لتعزيز حضورها السياسي ومواجهة خصومها، مما جعل القضية الفلسطينية جزءاً من معادلات الصراع الإقليمي المعقدة.
ورغم موجة التصعيد التي تشهدها المنطقة في المرحلة الراهنة، فقد ظهرت في السنوات الأخيرة مؤشرات خجولة على تحولات محتملة، سواء عبر محاولات التقارب الدبلوماسي أو من خلال دخول قوى دولية جديدة كوسطاء في بعض ملفات المنطقة. ولا ينفصل ذلك عن التحولات العالمية نحو نظام دولي أكثر تعددية مع صعود أدوار الصين وروسيا إلى جانب الولايات المتحدة. ومع أن هذه التحولات لم تترجم بعد إلى استقرار فعلي، فإن فرص تشكل ترتيبات إقليمية أكثر استقلالاً ستظل مرتبطة بقدرة القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران والدول العربية الرئيسية، على إدارة تنافسها ضمن قواعد سياسية واقتصادية أكثر استقراراً.
غير أن أي تقارب حقيقي يتطلب شجاعة سياسية لتحقيق ثلاثة شروط أساسية:
أولها وقف الحروب بالوكالة التي استنزفت المنطقة،
وثانيها تعزيز الاستقرار الداخلي عبر إصلاحات سياسية واقتصادية تضمن المواطنة المتساوية،
وثالثها إعادة تعريف مفهوم النفوذ ليصبح اقتصادياً ودبلوماسياً بدلاً من أن يكون عسكرياً.
فمن خلال ربط شبكات الكهرباء، وتطوير مشاريع الغاز (كما هو حاصل في شرق المتوسط)، وتوسيع التجارة الإقليمية، يمكن خلق مصالح مشتركة تخفف من حدة الصراع وتفتح الباب أمام تعاون أكثر استدامة.
في النهاية، لم يصل الشرق الأوسط بعد إلى شاطئ الأمان، وما زال يعيش مخاضاً لم تتبلور ملامحه النهائية. وسيكون شكل المستقبل نتاجاً لتفاعل القوى الدولية والإقليمية مع التحولات الاجتماعية داخل شعوب المنطقة.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تنجح المنطقة في تحويل لحظة الإنهاك هذه إلى فرصة لبناء استقرار حقيقي، أم ستظل أسيرة دوامة الصراع التي طبعت تاريخها لعقود؟