حروب دون كيشوت
ترى كيف يفكر الدون ترامب؟! هذا إن كان يفكر أصلاً. هو سؤال طبيعي أن يسأل العالم: كيف يفكر رئيس أقوى دولة في العالم، احتال على التاريخ بنرجسية يُحسد عليها، وهو يصرخ: أمريكا أولاً، والبقية مجرد أرقام على الهامش.
To Make America Great Again شعار يعكس نرجسية صاحبه، المتاجر بكل شيء. وملفات إبستين وجزيرته الشيطانية كانت وما تزال في مخيلة دون كيشوت النرجسي الجديد.
ترامب المحارب فاقد البوصلة، المتوهم بأنه فلتة زمانه وأن الكل يعاديه، يخترع في مخيلته الهوجاء أعداء متخيلين. بعد انتهاء لعبة الكاوبوي، ليظل ينتقل على طريقة إبهار سينما هوليود وصولاً إلى مناطحة طواحين الهواء.
هو رجل بات رئيساً، وتاريخه ملوث بكل ما تمتلئ به استوديوهات هوليود وسوءات عالم هارلم ومضاربات أسواق رأس المال والعقارات. كان يحلم أن يصير نجماً في قلعة هوليود على خطى سلفه دونالد ريغان، لكن الزمن أودى به إلى أحضان سوق العقارات لتلبية رغبات المقامات العالية من القوم باقتناء فاخر ونادر العقارات، وما تفوح وتموج به روائح لاس فيغاس وملاهيها من مفاتن ومحاسن.
إنه عالم البزنس، عالم ينجذب إليه ترامب كما تنجذب أموال القمار إلى طاولة الروليت. أمريكا أرض العجب والفرص، عالم ما بعد عولمة رأسمالية شيطنة الأسواق والاستثمار لصالح أمريكا. وباتت متلازمة الثنائي تعمل على إعادة صياغة العهد الجديد للرأسمالية المتوحشة، مرتدية رداء الإنجيلية ومحلاة بشكلها الصهيوني، لخلق عالم الصفقات: اضرب، اهرب، وافرض ما تشاء من الرسوم وفرض العقوبات.
فما زالت روائح قانون قيصر تفوح من تدوير خاتمة سوريا على هوى ثلاثي اللعبة: ترامب، والنتن، ومضاف إليهم عند الحاجة الحاج المعتدل أردوغان. وها هو ترامب يغازل بوتين لتخفيف العقوبات على روسيا، غير مدرك أن روسيا بوتين ليست روسيا غورباتشوف.
للأسف، بات العالم مسيجاً بمتلازمة ترامب ـ نتنياهو بعناوينها الفاقعة ثلاثية الأبعاد:
1. تدمير مفهوم سيادة الدول عبر التدخل المباشر وغير المباشر، وها هو يهدد الجزائر الشقيقة طمعاً بنفطها وغازها. هما يريان أن البديل عن السيادة هو الرضى الأمريكي بغطاء صهيوني.
2. سلطة القوة تخلق مفهوماً للحق يتماشى مع متلازمة ترامب ـ نتنياهو: القوة فوق القانون، ومجلس السلام لغزة نموذجاً.
3. آلية شن الحروب الإلكترونية وعن بعد عبر زراعة الطابور الخامس، وزراعة أجهزة البيجر وأجهزة التقنية متناهية الحجم، وأكثر وسائل التقنية للتنصت عن بعد أو عبر طابور خامس لخلخلة أمن الشعوب والبلدان.
من هكذا منظور نرى بأن مجريات ومسار الحرب على إيران تجد تفسيرها فيما ذكرناه، لتكتمل الصورة تواصلاً مع لعبة العبث التي بدأت مع فنزويلا وانتهاك سيادتها واعتقال رئيسها، وما تلاه عمداً من تهديد متعمد لكوبا لما تمثله. ونحن ننظر إليه باعتباره استفزازاً وتغولاً لمتلازمة ترامب ـ نتنياهو، وعناوينها ما يلي:
1. إسقاط أي كان يسعى لامتلاك عناصر القوة المتاحة لدولة الكيان وحدها، وحرام على غيرها؛ نقصد الخيار النووي.
2. بعد تهديد وتدمير أي بلد يعاد صياغته وفق متطلبات المتلازمة المشار إليها.
3. السيطرة على مصادر الطاقة: نفط وغاز.
4. السيطرة على منافذ التجارة الدولية من بنما إلى خليج فرموزا مروراً بهرمز وباب المندب وغيرها.
5. السيطرة على منافذ ووسائل الإمداد بما يهدد استقرار الأسواق.
6. استمرار فرض هيمنة الدولار عبر فرض أنواع العقوبات، مما يعوق محاولات خلق تكتل آخر يتعزز دوره إكمالاً لمسارات تذهب باتجاه مواجهة استمرار هيمنة القطب الواحد بتاريخِه الاستعماري الابتزازي.
ختاماً نقول: الحرب المُدارة ضد إيران، رغم كل تبجح الثنائي ترامب ـ نتنياهو ومتلازمتهما، وقد سقط منها خيال سينما هوليود، لكن كانت المفاجأة أن إيران لم تسقط بل تماسكت أكثر رغم ما مسها من دمار.
إيران تعلن من موقف مقاوم بأنها لن تُلدغ من الجحر نفسه مرتين، ولن تستسلم للشروط والإملاءات.
حالة استمرار الحرب وما تبعها من تأثيرات ونتائج، ها هي تلوح في الأفق بوادر أزمة طاقة طاحنة. عالم الطاقة وبدايات أزمته الخانقة بدأت مفاعيلها تؤثر وتوقظ من باتوا يقولون: هذه حرب متلازمة ترامب ـ نتنياهو لا تخصنا.
روسيا تحركت، والصين لها قراءات يفهمها ترامب ويخشاها ويضع لها ألف حساب، حتى وإن كذب على نفسه، لكنه يعرف ما لا يريد أن يعترف به.
الأوروبيون يدفعون ثمن انتهازيتهم بشأن الحرب في غزة وحرب أوكرانيا.
وحدهم العرب يدفعون الثمن باهظاً، سواء الدول التي تستضيف قواعد لأمريكا أو تلك التي هرعت لفرش السجادة للصلاة على الطريقة الإبراهيمية.
محور المقاومة في لبنان والعراق واليمن نقول بشأنه أمرين هامين؛ بدونهما لا مقاومة حقيقية بطابعها الوطني:
أولاً:
إن التمدد الإيراني سببه الفراغ في ساحة التضامن العربي الحقيقي، وغياب ـ بل وتعمد تغييب ـ مشروع تضامن عربي حقيقي سياسي واقتصادي وعسكري. السياسة لا تعرف الفراغ؛ إن لم تملأه الإرادة العربية يأتي الآخر ليلعب دوره ويملأ الفراغ، فنَدفع ثمنه في لبنان واليمن والعراق وليبيا والسودان.
ثانياً:
نعيب، بل ننتقد، على ما يسمى بمحور المقاومة افتقاده للمكون الوطني الشامل في بنيته الوطنية. فأي مقاومة حقيقية إن لم تتشكل على أساس قاعدة وتلاحم وتوافق وطني كامل، وبعيداً عن أي انتماءات طائفية أو مناطقية؟
لذا نعتب بأن أي مقاومة وطنية تشكل عنصر قوة وامتداداً للدولة الوطنية كاملة السيادة.
انتفاء هذا الشرط يحيل أي مقاومة تلتحف مثل هذا الثوب الطائفي أو المناطقي إلى نقطة ضعف لا بد من تجاوزها، إذ يمثل بقاؤها تحت أي مسميات افتقاداً لركن وطني حقيقي، ونقطة ضعف يستغلها من يريد إحداث شقاق وصدام يتخذ ميداناً غير ميدان العدو الحقيقي: العدو الصهيوني.
وهو العدو وقاعدته الولايات المتحدة، القابعة تحت هيمنة وسيطرة رأسمالية قوى المسيحيين المتصهينين الجدد، المسيطرين على مفاصل ومقاليد دفة الدولة العميقة في الولايات المتحدة، ويديرون لعبة الانتخابات بين حزبين يسيطران عليهما، سواء الجمهوري أو الديمقراطي. وتلك لعبة ندفع نحن العرب ثمنها غالياً، وما يحدث حالياً خير دليل.