صنعاء 19C امطار خفيفة

اليمن بين حروب المتصارعين وحق الناس في الحياة

منذ أكثر من أحد عشر عامًا واليمنيون يقتلون بعضهم بعضًا في حربٍ لم تترك بيتًا إلا ومسّه الحزن، ولا مدينةً إلا وطالها الدمار. لقد مزّقت هذه الحرب النسيج الاجتماعي اليمني، وأحدثت خرابًا هائلًا سيحتاج اليمن إلى عقود طويلة كي يعيد بناء ما تهدّم منه. آلاف القتلى ومئات الآلاف من الجرحى، وملايين من النازحين، واقتصاد منهار، ومؤسسات دولة تكاد تكون غائبة. ومع ذلك يظل السؤال البسيط حاضرًا بإلحاح: على ماذا كانت هذه الحرب، ولصالح من تُستنزف كل هذه الدماء؟

في الواقع، تبدو الحرب في اليمن وكأنها تحولت إلى صراع بين مشاريع سلطة متنافسة، أكثر منها معركة من أجل الدولة أو المواطن. فهناك من يقاتل تحت شعار مواجهة الحوثي، وهناك من يقاتل باسم الشرعية، وآخرون يرفعون راية استعادة الدولة في الجنوب، بينما تعمل قوى أخرى على إعادة إنتاج أنظمة حكم سابقة أو تمكين أحزابها من السيطرة على الدولة. وبين هذه المشاريع المختلفة يضيع المواطن اليمني البسيط، الذي لم يكن طرفًا في هذه الحسابات، لكنه يدفع الثمن الأكبر من حياته وأمنه ومستقبل أبنائه.
الحوثيون يخوضون حربًا لتكريس سلطتهم وفرض مشروعهم، فيما يقاتل آخرون باسم الشرعية في معركة يعتقد كثير من اليمنيين أنها قد تعيد إلى السلطة وجوهًا سياسية عرفها الناس في الماضي ولم يجلب حكمها الاستقرار أو العدالة. وفي الجنوب، يخوض المجلس الانتقالي صراعًا للحفاظ على نفوذه وسيطرته، بينما تتحرك قوى أخرى في الساحل الغربي أو في بعض المحافظات بدوافع سياسية وحزبية مختلفة. والنتيجة النهائية أن اليمن تحوّل إلى ساحة تتصارع فيها القوى المحلية والإقليمية، بينما يغيب صوت المجتمع الذي يريد ببساطة أن يعيش بسلام.
لقد كانت لحظة تحرير عدن في عام 2015 بالنسبة لكثير من اليمنيين لحظة أمل، اعتقدوا أنها قد تكون بداية لاستعادة الدولة وبناء نموذج مختلف. لكن السنوات التي تلتها أظهرت أن الصراع لم ينتهِ، بل تغيّر شكله فقط. فبدل أن تتحول المدينة إلى نموذج للاستقرار وبناء المؤسسات، دخلت في دوامة جديدة من التنافس والصراعات السياسية والأمنية، وتعرضت لتدخلات إقليمية عمّقت الانقسام بدل أن تساعد على بناء الدولة.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات من الحرب، تبدو الحقيقة واضحة: لا أحد من الأطراف المتصارعة قادر على حسم المعركة عسكريًا أو فرض مشروعه منفردًا على بقية اليمنيين. لقد أثبتت التجربة أن منطق الغلبة لم ينتج إلا مزيدًا من الدماء والخراب، وأن استمرار الصراع لن يقود إلا إلى إطالة معاناة الناس.
في المقابل، هناك عشرات الملايين من اليمنيين الذين لا يريدون سوى شيء بسيط: دولة تحترم حقوقهم، وتوفر لهم الأمن والخدمات، وتتيح لهم اختيار من يحكمهم عبر صناديق الاقتراع لا عبر فوهات البنادق. هؤلاء هم اليمن الحقيقي الذي لا يظهر كثيرًا في خطابات الحرب، لكنه موجود في كل مدينة وقرية، وينتظر نهاية هذا العبث الطويل.
ربما حان الوقت كي يعلو صوت آخر في اليمن، صوت يرفض منطق الحرب الدائمة ويقول لكل المتصارعين إن الوطن ليس ملكًا لفصيل أو حزب أو أسرة سياسية. اليمن ملك لكل أبنائه، ومستقبله لا يمكن أن يبنى إلا بتوافق وطني حقيقي يضع مصلحة الناس فوق مصالح القوى المتصارعة.
فالحروب قد تصنع قادة عسكريين، لكنها لا تصنع دولًا مستقرة. والدول لا تُبنى إلا حين يتفق أبناؤها على أن السلطة وسيلة لخدمة المجتمع، لا غنيمة يتقاتلون عليها.

الكلمات الدلالية