وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(20)
الإحسان إلى البشر بمختلف أديانهم وأعراقهم
قال تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
الممتحنة: 8
--------------------------------------
1. لماذا يختار القرآن لفظ «تبرّوهم»؟
البرّ في القرآن:
• أوسع من العدل،
• وأعمق من التسامح،
• وأرقى من المعاملة الباردة.
البرّ هو:
• إحسان إيجابي،
• ومبادرة خير،
• وتعامل إنساني لا مشروط.
فالآية لا تكتفي بعدم الأذى،
بل تطلب الإحسان.
--------------------------------------
2. هل الإحسان مشروط بالدين؟
الآية صريحة:
المعيار ليس الدين،
بل السلوك.
﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾
﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾
أي أن:
• السلام أساس العلاقة،
• والعدوان هو الاستثناء،
• والإنسانية سابقة على الاصطفاف.
الإحسان هنا إنساني قبل أن يكون دعويًا.
--------------------------------------
3. لماذا قرن البرّ بالقسط؟
لأن الإحسان بلا عدل:
• قد يتحول إلى استعلاء،
• أو منّة،
• أو تمييز خفي.
أما القسط:
• فيضمن المساواة،
• ويمنع الازدواج،
• ويصون الكرامة.
ولهذا ختمت الآية بـ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
فالمحبة الإلهية
مرتبطة بعدل الإنسان مع المختلف عنه.
--------------------------------------
4. الإحسان ليس ذوبانًا ولا تنازلًا
الإحسان في الإسلام لا يعني:
• التنازل عن العقيدة،
• ولا تمييع الحق،
• ولا إلغاء الخصوصية.
بل يعني:
• وضوحًا بلا قسوة،
• وثباتًا بلا عداء،
• وهوية بلا كراهية.
فالقرآن يفرّق بوضوح بين:
• الاختلاف،
• والعداء.
--------------------------------------
5. أين فشل الخطاب الديني أحيانًا؟
فشل حين:
• اختزل العلاقة مع الآخر في الصراع.
• قرأ التاريخ بعين الجراح فقط.
• جعل الهوية مبررًا للقسوة.
• ساوى بين الخلاف والعدوان.
فنتج:
• تشويه لصورة الدين،
• وتناقض مع النص القرآني،
• وانغلاق يُولّد العنف.
--------------------------------------
6. شواهد قرآنية جامعة
القرآن يقرر قاعدة كلية:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
ولم يقل: المؤمنين فقط.
وقال أيضًا:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
لا: للمؤمنين.
فالخطاب الأخلاقي القرآني
إنساني النطاق.
--------------------------------------
7. رمضان وتوسيع دائرة الرحمة
رمضان يدرّبك على:
• كبح الغضب،
• تهذيب الردود،
• تقديم الرحمة على الانفعال.
الصائم الحقيقي:
• لا يحسن فقط لمن يشبهه،
• بل لمن يخالفه،
• لأنه يرى الإنسان قبل التصنيف.
رمضان يذكّرك:
أن الإحسان اختبار صدق الإيمان،
لا مجرد تعاطف انتقائي.
--------------------------------------
خاتمة
الإحسان إلى البشر جميعًا
ليس ترفًا أخلاقيًا،
ولا تنازلًا عقديًا،
بل سُنّة قرآنية محكمة.
فحيث:
• يُكرَّم الإنسان لكونه إنسانًا،
• ويُعامَل المختلف بعدل،
• ويُقدَّم البرّ قبل الصراع،
يظهر جوهر الدين كما أراده الله.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
هذه ليست عبارة ختامية،
بل ميزان قبول.
ومن ضاق إحسانه عن البشر،
ضاق فهمه للدين.
وهذه السُّنّة قررها بوضوح
القرآن الكريم
لتكون الرحمة جسر التعارف،
لا ساحة التصنيف والعداء.
والله من وراء القصد،،،
غدا نلتقي- إن شاء الله- في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن