صنعاء 19C امطار خفيفة

عُمان… هندسة السلام في زمن العواصف

منذ سبعينيات القرن الماضي، تشكّل في جنوب شرق الجزيرة العربية نموذجٌ سياسي مختلف، يقوم على فلسفة الاتزان، ويعتمد الحوار أداةً أساسية لإدارة العلاقات، ويضع الاستقرار هدفًا استراتيجيًا لا شعارًا عابرًا. ذلك النموذج هو نهج سلطنة عُمان التي اختارت، في عالمٍ يزداد استقطابًا وتوترًا، أن تكون مساحةً للتلاقي بدل أن تتحول إلى ساحةٍ للصراع. وفي منطقة اعتادت على الانقسامات الحادة والتحالفات المتقلبة، بدت السياسة العُمانية وكأنها مشروع طويل الأمد لصياغة دور مختلف: دور الوسيط الذي يحافظ على مسافةٍ متوازنة من الجميع، دون أن يفقد احترام أي طرف.

مع تولّي السلطان الراحل السلطان قابوس بن سعيد الحكم عام 1970، كانت التحديات التي تواجه عُمان متعددة الأبعاد. فقد كانت البلاد خارجة من عزلة طويلة، وتواجه تحديات داخلية تتعلق ببناء الدولة الحديثة، إلى جانب بيئة إقليمية مضطربة تتشابك فيها الصراعات الأيديولوجية والسياسية. لكن القيادة العُمانية أدركت مبكرًا أن بناء دولة مستقرة في الداخل يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة في الخارج. وهكذا تشكّلت معادلة دقيقة: تحديث الدولة ومؤسساتها داخليًا، مقابل انتهاج سياسة خارجية تقوم على الحياد الإيجابي والبراغماتية الهادئة.

لم يكن هذا الحياد انعزالًا عن العالم، بل كان نوعًا من الحضور المختلف في معادلات السياسة الإقليمية. فبينما اندفعت دول كثيرة إلى الانخراط في محاور متصارعة، اختارت عُمان أن تحافظ على استقلالية قرارها، وأن تفتح قنوات التواصل مع جميع الأطراف دون استثناء. هذه الاستقلالية لم تكن مجرد موقف دبلوماسي، بل تحوّلت مع مرور الوقت إلى رصيدٍ من الثقة جعل مسقط وجهة مفضلة للحوار عندما تصل النزاعات إلى طريق مسدود.

وقد برز هذا النهج بوضوح في عدد من الملفات الإقليمية والدولية المعقدة. فمنذ سنوات، لعبت مسقط دورًا مهمًا في تهيئة قنوات التواصل غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وهي القنوات التي ساهمت لاحقًا في التمهيد للمفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. وفي وقتٍ كانت فيه العلاقات بين الطرفين تعيش مستويات عالية من التوتر، استطاعت عُمان أن توفّر مساحة هادئة للحوار بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والاستقطاب السياسي.

وفي السياق الإقليمي، حافظت مسقط على موقعها كوسيطٍ موثوق في عدد من الأزمات، وعلى رأسها الأزمة اليمنية. فقد سعت السلطنة إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف اليمنية والإقليمية، مستندةً إلى سياسة تقوم على عدم الانخراط في الصراع، بل العمل على تقريب وجهات النظر والبحث عن فرص للحل السياسي. هذه المقاربة لم تكن سهلة في بيئة إقليمية مشحونة، لكنها أكسبت عُمان احترامًا واسعًا بوصفها طرفًا يسعى إلى التهدئة بدل التصعيد.

هذا الدور لم يكن طارئًا أو ناتجًا عن ظرف سياسي مؤقت، بل هو امتداد لرؤية استراتيجية تشكّلت عبر عقود من العمل الدبلوماسي الهادئ. ويمكن تلخيص هذه الرؤية في ثلاث ركائز رئيسية.
أولًا، الاستقلالية في القرار السياسي، بحيث تبقى السياسة الخارجية العُمانية بعيدة عن الضغوط والتحالفات الصلبة التي قد تقيد حركتها.
ثانيًا، بناء جسور التواصل مع جميع الأطراف، حتى تلك التي تختلف فيما بينها بشكل عميق، لأن الحوار لا يمكن أن يبدأ إلا بوجود قنوات اتصال مفتوحة.
ثالثًا، الإيمان بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر موازين القوة وحدها، بل من خلال إدارة الخلافات واحتوائها قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة.

ومع انتقال الحكم إلى السلطان هيثم بن طارق عام 2020، استمر هذا النهج بوصفه جزءًا من هوية السياسة العُمانية. فقد حافظت السلطنة على خطوطها العامة في التعامل مع القضايا الإقليمية، مع تطوير أدواتها الدبلوماسية بما يتناسب مع التحولات الدولية المتسارعة. فالعالم اليوم يعيش مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع التنافس الجيوسياسي، وتصبح الحاجة إلى الوسطاء أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

 السلطان هيثم بن طارق

في هذا السياق، تبدو التجربة العُمانية أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية الصمت الفعّال». فهي دبلوماسية لا تعتمد على الضجيج الإعلامي أو الخطابات الحادة، بل تقوم على التحركات الهادئة والعمل خلف الكواليس لبناء التفاهمات. هذا الأسلوب قد لا يلفت الانتباه في لحظته، لكنه غالبًا ما يترك أثرًا عميقًا عندما تنجح المساعي في فتح أبواب الحوار أو تخفيف حدة التوتر.

إن قيمة هذا الدور لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في كونه يوفر مساحة نادرة للحوار في منطقة تعاني من أزمات متشابكة. ففي الشرق الأوسط، حيث تتداخل الصراعات السياسية والطائفية والاقتصادية، يصبح وجود طرف قادر على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجميع عنصرًا مهمًا في أي محاولة لخفض التوتر أو بناء حلول طويلة الأمد.

ومن هنا، فإن استهداف هذا الدور أو التشكيك فيه لا يُعدّ مساسًا بدولة بعينها فحسب، بل إضعافًا لمساحةٍ ضرورية للحوار في منطقة تحتاج إلى مزيد من الجسور لا إلى مزيد من الجدران. فالدبلوماسية التي تفتح الأبواب المغلقة وتقرّب بين المتباعدين هي عنصر أساسي في أي منظومة إقليمية تسعى إلى الاستقرار.

لقد نجحت عُمان عبر عقود في ترسيخ صورة مختلفة عن دور الدولة في محيطها. فهي لم تسعَ إلى لعب دور القوة المهيمنة، ولم تحاول فرض نفوذها عبر أدوات الصراع، بل اختارت طريقًا أكثر هدوءًا يقوم على بناء الثقة وتقديم نفسها بوصفها طرفًا يمكن للجميع أن يجلسوا معه دون خشية أو حسابات مسبقة.

لذلك، فإن وصف عُمان بـ«عاصمة السلام» لا ينبغي فهمه كلقبٍ بروتوكولي أو شعارٍ إعلامي، بل بوصفه توصيفًا لوظيفة أدّتها السلطنة بثبات عبر عقود طويلة. لقد كانت مسقط في كثير من الأحيان بيتًا مفتوحًا للحوار عندما تُغلق الأبواب الأخرى، ومنبرًا للتفاهم عندما تعلو أصوات البنادق، ومكانًا يمكن للأطراف المتخاصمة أن تلتقي فيه بعيدًا عن ضغوط الصراع.

وفي عالمٍ مضطرب تتزايد فيه الأزمات وتتعقد فيه الحسابات السياسية، تبدو الحاجة إلى مثل هذا النموذج أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. نموذجٌ يرى في التوازن قوة لا ضعفًا، وفي الوساطة مسؤولية لا مجرد دور دبلوماسي، وفي السلام خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد لا موقفًا عابرًا تفرضه الظروف.

إن تجربة عُمان في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية تقدم درسًا مهمًا في كيفية تحويل الاعتدال إلى قوة سياسية، وتحويل الثقة إلى رأس مال دبلوماسي. وفي زمن العواصف، قد لا يكون صوت الحكمة هو الأعلى، لكنه غالبًا ما يكون الأكثر بقاءً وتأثيرًا.

الكلمات الدلالية