صنعاء 19C امطار خفيفة

غياب الحرية في اليمن وخنق أصوات النقد والمعارضة(9–14)

حريٌّ بسلطاتِ صنعاءَ ومأربَ والمخا وتعز، وحكومةِ المعاشيق، أن ترجعَ البصرَ كرتين وأربعًا، بل وعشرًا، في أسلوبِ تعاملِها مع المعارضةِ والنقّاد؛ فالابتزاز السياسي، واقتحام خصوصيات المعارضين والنقّاد، والقمعُ المبالغُ فيه، والاعتقالاتُ غيرُ المبرَّرة، واعتبارُ لقبِ الشخصِ أو منطقتِه مبررًا للمساسِ بحريتِه، يزيدُ في تعميقِ كراهيةِ الشعبِ أكثرَ فأكثرَ لمن هذا نهجُه، وهكذا منهجه. فمَثَلُ من هكذا منهجه مَثَلُ من يتعامل مع الفحم؛ لا يناله إلا سوادُ وجهه ويديه!


وليتعلموا أن التاريخَ السياسيَّ يثبت أن الكبار لا يقبلون أن يساوموا في مبادئهم، وإن لم يكن كلُّ النقاد والمعارضين كبارًا، غير أن الكبارَ منهم يصعب، بل يستحيل، على النظام السياسي أن يساومهم في مبادئهم.
فعلى قادة سلطات البلاد جميعًا أن يترفعوا عن اختلاق الجرائم ومؤاذاة النقاد والمعارضين، وعن الصغائر كلها، وأن يصرفوا الرواتب، ويكون لديهم شفافيةٌ معلنةٌ ومفصلةٌ عن موارد الزكاة والأوقاف ومصارفها، وعن كل موارد البلاد بشكل عام، وأن يعوا جميعًا أن دوامَ خضوعِ الشعبِ واستسلامَه لعنفِهم مجردُ سحابةِ صيفٍ ستنقشع حتمًا، وستتحطّم يومًا على صخرةِ الحق. وحينئذٍ سيصعبُ على الميليشيا كلها، وعلى حكومةِ المنفى "حكومة المعاشيق" كاملةً، تلافي تداعياتها العنيفة؛ فيتعذَّرُ على كلٍّ منها مواصلةُ خطاها نحو أهدافها التي لا يباركها أغلبُ سكانِ الجمهوريةِ أصلًا، ولا يرضى بها الشعبُ اليمني، وإن تظاهرَ بعدمِ رفضِه لها.
والمطلعُ الحصيفُ سيجدُ في صفحاتِ التاريخِ حوادثَ تعزِّزُ هذه النظرة، كالثورةِ الفرنسية، وحركةِ الحقوقِ المدنيةِ في الولاياتِ المتحدة؛ حيث أدّى قمعُ النقدِ إلى ثوراتٍ جعلت القادةَ يعضّونَ أصابعَ الندم. لنتذكر ما قاله مانديلا: «الحريةُ لا تُعطى على طبقٍ من ذهب، بل تُكتسَب»، وما قاله هوغو: «لا شيء أقوى من فكرةٍ حان وقتُها».
المعارضةُ يجب أن تمتلك برامجَ مقنعةً للناس، والناسُ يجب أن يكونوا جادين في الوقوف بصلابةٍ من أجل حريتهم، والمطالبةِ بكل حقوقهم، وليعرفوا أن: «الحريةُ هي القدرةُ على أن تقولَ للناسِ ما لا تريدُ السلطةُ سماعَه».
المعنى: يجب أن يُعبّرَ الأحرارُ عما يعتقدون، وعلى السلطاتِ أن تقبلَ النقدَ كجزءٍ من البناء. وننصحُ قادةَ الحكومة، وقادةَ الميليشيات، أن يضعوا في آذانهم قولَ مونتسيكيو: «السلطةُ التي تتحكّمُ في كلِّ شيءٍ لا تتحكّمُ في شيء».
وإن لم تسمعِ السلطةُ وتَعِ هذه المفاهيم، خصوصًا سلطة صنعاء، فمساحةُ رفضِها محليًا ستتسع، وستبقى في عزلةٍ دوليةٍ، مكروهةً في أعرافِ الأديانِ والمذاهبِ الأخلاقيةِ السوية. أمّا الشعبُ اليمنيّ فسينتصر لإرادتِه حتمًا!
ما نطلبه ليس هتافًا، ولا يريد الناس بشأنه مجرد خطابات، أو بياناتٍ سياسية، أو دروسٍ رمضانيةٍ تذكرهم بحادثة الفيل وغزوة بدر، أو قصة سيدنا موسى عليه السلام؛ وإنما يريدون خطواتٍ عمليةً محسوبة: كفالةَ حرية التنقل بين المحافظات بأمان، وحمايةَ الحياة الخاصة، ونشرَ كشوفات إيرادات ومصروفات هيئتي الأوقاف والزكاة نهاية كل عام، وصرفَ رواتب الموظفين، وعدمَ العبث بأسعار العملات الأجنبية الخاصة بالدولة والمتاجرة بها عبر مكاتب الصرافة، وإتاحةَ تحقيقٍ محايدٍ في اعتقالات الرأي، وضمانةً قضائيةً تحمي الناقد والمعارض من تعسف أجهزة السلطات في عموم محافظات البلاد، وإغلاقَ المحكمة الجزائية المتخصصة (التابعة للأجهزة الاستخبارية)، وإلغاءَ أحكامها حيثما وجدت لعدم دستوريتها، وتعويضَ المتضررين من أحكامها الطاغوتية!
وليَعلموا جميعًا أن السلطة التي ستلبي مثل هذه الطلبات اليوم هي، في نظر الناس، السلطة التي تحترم الشعب فعلًا، وهي التي تستحق أن يقف الشعب سندًا لها غدًا؛ ومن يُعرض فالتاريخ لا ينسى من هندس لتجويعه وظلمه، ولا من سدّ النوافذ في وجه كلمته، ولا من صمّ أذنيه وتعامى عن تحديث التعليم وعن كافة استحقاقات الشعب كلها في شمال اليمن وجنوبه ووسطه وشرقه وغربه!
اللهم احفظ اليمن وأهله، واهدِ من بيده الأمر أن يقدّم أمن اليمن وسلامة أرضه على كل اصطفاف، وأن يعلن للعالم أن الولاء لليمن يعلو ما سواه؛ فهذه حربٌ بين طهران و"تل أبيب ومعها واشنطن"، لا يجوز أن يُدفع ثمنها من دماء "أطفال صنعاء"، ولا من دم عدن!

الكلمات الدلالية