الجبرية.. العقل تحت سلطان المشيئة
فرقة اسلامية اقتنعت منذ وقت مبكر بأن الكون كله يسير وفق نص مكتوب سلفاً في دفتر المشيئة. كانت الجبرية محاولة لإراحة الإنسان من عناء المسؤولية وتبرير انكساراته برمي الكرة في ملعب القدر. رأي كلامي تحول إلى مزاج كامل يرى العالم كآلة ضخمة تدور بلا حاجة إلى احتجاج البشر، الإنسان فيها أقرب إلى سطر في رواية إلهية، جميل ربما، لكنه غير مخول بتعديل الحبكة.
ظهرت الجبرية في زمن كان المسلمون فيه يكتشفون أن السياسة أعقد من أن تدار بآية، وأن الدم حين يسيل بين الصحابة لا يمكن تفسيره بسهولة عبر خطاب الوعظ. بعد الفتنة الكبرى وسلسلة الحروب التي فتحت أبواب التاريخ الإسلامي على أسئلة محرجة، صار لا بد من تفسير يهدئ القلق. فوجد البعض في "المكتوب" مخرجاً آمناً من جحيم الاختيار، فإذا قَتل الظالم أو خان الصديق قيل "هذا قدر الله"، وكأن السماء كانت شريكة في الجريمة لمجرد أنها علمت بها.
الفكرة في جوهرها بسيطة إلى حد الإغراء. الله قادر مطلق، والقدرة المطلقة لا تقبل شريكاً صغيراً اسمه الإرادة البشرية. فإذا كان الله خالق كل شيء فلا بد أنه خالق أفعال العباد أيضاً. الإنسان في هذه الرؤية أشبه بظل يتحرك مع الجسد الإلهي، لا يملك من أمره سوى أن يؤدي الدور المرسوم له بدقة. حرية الإنسان تبدو هنا سوء فهم ديني ناجم عن تقدير مفرط للإرادة البشرية.
في القرن الأول الهجري كان هذا الرأي يطفو بين المجالس والجدالات كما تطفو فكرة خطرة في مدينة قلقة. بعضهم قال به على استحياء، وبعضهم جعله مذهباً مكتمل الملامح. نضجت الفكرة في القرن الثاني مع جهم بن صفوان وتحولت إلى جهمية ترى الإنسان ريشةً معلقة في الهواء، لا تملك من أمر نفسها نفعاً ولا ضراً. قالوا إن الإنسان "يُخلق فيه الفعل" كما يُخلق اللون في الشجر والطول في الحجر، فلا هو اختار لونه ولا هو اختار فعله.
لكن اللافت أن الجبرية لم تكن مجرد نقاش نظري بين المتكلمين. كانت أيضاً اكتشافاً سياسياً مبكراً، إن كان كل شيء مقدراً سلفاً فحتى الخليفة الجالس على العرش يجلس هناك بقرار سماوي لا يحتاج إلى استفتاء بشري. لهذا وجدت السلطة في الجبرية صديقاً مهذباً لا يرفع صوته.
لم تكن الدولة الأموية بحاجة إلى فيلسوف كبير كي تفهم فائدة الفكرة. يكفي أن يقتنع الناس بأن كل شيء يحدث بإرادة الله، حتى يصبح التمرد اعتراضاً على السماء نفسها. هكذا تحولت العقيدة إلى مظلة مريحة فوق رأس السياسة. قدر إلهي واسع يتسع أيضاً لأخطاء الحكام.
ارتبك العقل الجمعي أمام هذا المشهد الجنائزي للإرادة، فكيف يحاسب الله بشراً على أفعالٍ أجبرهم عليها؟ وكيف تكون الجنة ثواباً والنار عقاباً لدمية لم تختر دورها؟ الفكرة بدت لكثيرين مريحة أكثر مما ينبغي. فلو كان الإنسان مجبراً تماماً فما معنى الثواب والعقاب؟ وكيف يُحاسَب من لا يملك حرية الفعل؟
دخل خصوم الجبرية إلى الميدان، المعتزلة رفعوا راية الحرية الإنسانية باعتبارها ضرورة أخلاقية قبل أن تكون فكرة فلسفية. قالوا إن العدل الإلهي يقتضي أن يكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله. وإلا صار الحساب في الآخرة أقرب إلى مزحة.
بين هذين المعسكرين وقف جمهور واسع يحاول التوفيق بين الهيبة الإلهية والحرية البشرية. خرجت من هذا التوتر نظريات وسطى مثل نظرية "الكسب" عند الأشاعرة، محاولة ذكية للإبقاء على قدرة الله المطلقة دون تحويل الإنسان إلى دمية خشبية. كأن الفكر الإسلامي كله كان يحاول إيجاد توازن دقيق بين سيادة السماء وكرامة الأرض.
بعض المؤرخين يبالغون حين يختصرون الجبرية في كونها أداة دعائية للسلطة، فالفكرة أقدم من ذلك وأعمق. لكنها بالتأكيد وجدت في السياسة تربة خصبة. فالإنسان المتعب من الحروب يميل إلى تفسير يخفف عنه عبء الاختيار. الحرية مسؤولية ثقيلة، أما الجبر فوسادة ناعمة يمكن للعقل أن يضع عليها رأسه وينام.
في الأزمنة المضطربة تظهر الجبرية بوجه جديد كل مرة. تسمعها في عبارة عابرة يقولها رجل بسيط: هذا ما كتبه الله. الجملة تبدو بريئة لكنها تحمل تاريخاً طويلاً من النقاشات، خلفها يقف جهم بن صفوان والردود المعتزلية وكتب الكلام الثقيلة، كلها تختبئ داخل عبارة شعبية قصيرة.