وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(19)
أثر الوساطة في صناعة الخير أو الفساد
قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾
— النساء: 85
--------------------------------------
لماذا لا يكون الإنسان محايدًا دائمًا؟
كثير من الناس يظن أنه لا يفعل شيئًا
إذا لم يكن صاحب القرار.
لكن القرآن يلفت النظر إلى منطقة خفية في الحياة:
منطقة التأثير غير المباشر.
ليس كل من صنع الحدث هو المسؤول عنه وحده،
فأحيانًا يكفي أن:
• تُسهّل طريقًا،
• أو تدعم قرارًا،
• أو توصّي بشخص،
• أو تفتح بابًا.
حينها تصبح جزءًا من النتيجة.
--------------------------------------
ما معنى الشفاعة هنا؟
الشفاعة في هذه الآية
ليست شفاعة الآخرة المعروفة،
بل كل تدخل يُقصد به التأثير في أمر ما.
أن تتوسط لإنسان،
أو توصي به،
أو تدعمه،
أو تفتح له فرصة.
الشفاعة هنا سلطة صغيرة
يملكها كل إنسان بدرجات مختلفة.
--------------------------------------
لماذا قال: نصيب منها؟
لأن من دلّ على الخير
لم يصنعه كله،
لكنه شارك فيه.
الإنسان قد لا يبني المشروع،
لكن يكفي أن:
• يشجع صاحبه،
• أو يفتح له طريقًا،
• أو يرشحه لمكان يستحقه.
حينها يصبح له نصيب من الأثر
ولو لم يقم بالفعل بيده.
--------------------------------------
وفي المقابل: الكفل من الشفاعة السيئة
الآية تضع الميزان نفسه في الاتجاه الآخر.
من:
• يوصي بغير الكفء،
• أو يفتح باب الظلم،
• أو يدعم الفساد،
• أو يسهّل الاعتداء،
فهو لا يبقى خارج النتيجة.
حتى لو لم يقم بالفعل مباشرة،
يبقى له كفل منها.
وهذا تحذير دقيق
من المشاركة الصامتة في الخطأ.
--------------------------------------
لماذا تنتشر الشفاعة السيئة في المجتمعات؟
لأنها غالبًا تُغطّى بأسماء لطيفة:
• مساعدة،
• مجاملة،
• خدمة صديق،
• أو ردّ معروف.
لكن حين تتحول الوساطة إلى:
تقديم غير المستحق،
أو إقصاء الأكفأ،
فإنها تزرع خللًا عميقًا في العدل.
وهكذا يبدأ الفساد غالبًا
بباب صغير من المجاملة.
--------------------------------------
الشفاعة الحسنة… كيف تكون؟
تكون حين:
• تفتح بابًا لمستحق،
• ترفع ظلمًا عن مظلوم،
• توصل الخير لمن يحتاجه،
• أو تساعد في إصلاح بين الناس.
الشفاعة الحسنة
ليست كسرًا للنظام،
بل إعادة توجيه الخير إلى مكانه الصحيح.
--------------------------------------
لماذا ختمت الآية باسم الله: «مُقيتًا»؟
المقيت هو:
• الحافظ،
• والمقدّر،
• والمحاسب على كل شيء.
أي أن الله يعلم:
• من فتح باب الخير،
• ومن فتح باب الفساد.
حتى تلك التدخلات الصغيرة
التي يظن الإنسان أنها لا تُذكر.
لا شيء يضيع في ميزان التأثير.
--------------------------------------
رمضان… موسم مضاعفة الأثر
في رمضان تتكاثر فرص الشفاعة الحسنة:
• كلمة تشجيع،
• دعم مشروع خير،
• إصلاح بين متخاصمين،
• توجيه إنسان إلى طريق أفضل.
أحيانًا يكفي أن تفتح بابًا صغيرًا
ليدخل منه خير كثير.
--------------------------------------
خاتمة
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾
تذكّر الإنسان أن تأثيره لا يتوقف عند أفعاله المباشرة.
نحن نصنع العالم أحيانًا
بما نفعله،
وأحيانًا بما نسمح بحدوثه.
وبين شفاعة تفتح باب عدل،
وأخرى تفتح باب فساد،
يتحدد نصيب الإنسان من الأثر.
فالخير لا يحتاج دائمًا إلى بطل،
بل إلى إنسان يقرر أن يكون
بابًا له… لا حاجزًا أمامه.
والله من وراء القصد،،،
غدا نلتقي- إن شاء الله- في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن