صنعاء 19C امطار خفيفة

صمت الحوثيين في لحظة التصعيد الإقليمي: قراءة في حسابات الحرب والبقاء

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في الشرق الأوسط، يعود سؤال يتكرر في النقاشات السياسية والإعلامية: لماذا لا يتحرك الحوثيون عسكرياً بالشكل الذي يتوقعه البعض؟

يبدو هذا السؤال بديهياً للوهلة الأولى، لكنه غالباً ما يقود إلى تفسيرات مبسطة لا تعكس التعقيد الحقيقي للمشهد اليمني والإقليمي. فالنقاش الدائر عادة ينحصر بين فرضيتين متناقضتين: الأولى ترى أن الجماعة تنتظر قراراً إيرانياً بالتدخل، والثانية تفترض أن الحوثيين فقدوا قدرتهم العسكرية ولم يعودوا قادرين على لعب دور مؤثر.

غير أن هذين التفسيرين، رغم انتشارهما، لا يقدمان فهماً كافياً لطبيعة الحركة الحوثية ولا للبيئة الاستراتيجية التي تعمل ضمنها.


فرضية القرار الإيراني

التفسير الأكثر شيوعاً يفترض أن الحوثيين يتحركون ضمن شبكة إقليمية تقودها إيران، وأن أي تدخل عسكري للجماعة مرتبط بقرار يصدر من طهران.

لكن هذا التصور يتجاهل أن الحوثيين لا يقدّمون أنفسهم بوصفهم حركة تأسست أصلاً كجزء من هذه الشبكة. كما يتجاهل أيضاً السردية الشائعة – التي لا تطابق الواقع بالكامل – والتي تقول إن الحركة نشأت في شمال اليمن في تسعينيات القرن الماضي في سياق صراعات محلية مرتبطة بالهوية السياسية والدينية وبالتوازنات الداخلية اليمنية.

وهذه السردية نفسها تستحق مراجعة نقدية وتصحيحاً في ضوء الوقائع التاريخية. فكل المعطيات، بالنسبة للمتابع المتيقّظ للواقع اليمني ومجريات الأحداث فيه، تشير إلى أن الحركة الحوثية ظهرت تنظيمياً ضمن جمعية "الشباب المؤمن"، كمكوّن عادي إلى جانب مجموعة متنوعة من الشباب في ذلك الوقت.

غير أن اختزال نشأتها في إطار إحياء زيدي محلي يتجاهل جوهر الخلاف الذي تفجر داخل هذه البيئة نفسها. إذ إن جانباً من الصراع لم يكن بين الحوثيين وخصومهم السياسيين فقط، بل امتد أيضاً إلى داخل البيت الزيدي ذاته.

فبعد أن رفض عدد من الشباب المؤسسين التوجهات التي تبناها حسين بدر الدين الحوثي ومن يواليه، وكان عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في البداية، بدأ الخلاف يتسع داخل حركة "الشباب المؤمن". وقد اعترض عدد من المنتمين إليها على المنحى الفكري الذي اتخذه الحوثي، باعتباره توجهاً يتجاوز الزيدية التقليدية ويصطدم بأصولها الاجتهادية المعروفة.

كما أن بعض الأفكار التي بدأت تُطرح داخل هذا المسار لم تكن متجذرة أصلاً في البيئة اليمنية اجتماعياً أو دينياً أو سياسياً، ومن بينها فكرة "الولاية" ومحاولات إدخال مفاهيم عقدية قريبة من المذهب الاثني عشري الجعفري.

ولهذا لم يكن علماء الزيدية مجرد شهود على صعود الحركة، بل كانوا من أكثر المتضررين من تمددها الفكري والتنظيمي. فالمشروع الحوثي لم يكتف بتسييس الهوية المذهبية، بل دفع أيضاً نحو إزاحة المرجعيات الزيدية التقليدية وإضعاف البنية التاريخية للاجتهاد الزيدي، وهو أحد أهم المرتكزات الفكرية في المذهب.

وفي هذا السياق يمكن القول إن الحركة نشأت في ظل ظروف سياسية معقدة داخل اليمن والمنطقة. غير أن انطلاقتها منذ أوائل التسعينيات أظهرت أيضاً جذوراً فكرية تأثرت بالتجربة الإيرانية وبالمعتقد الاثني عشري الجعفري.

وقد ارتبط ذلك بذهاب عدد من طلاب الزيدية من صعدة إلى إيران ولبنان للدراسة الدينية، ومن بينهم بدر الدين الحوثي. وأسهمت هذه التجارب في إدخال بعض المفاهيم السياسية والعقائدية المستمدة من التجربة الإيرانية إلى الخطاب الفكري داخل الحركة، خصوصاً مع صعود خطاب ما يُعرف بـ "محور المقاومة" في المنطقة.

ولذلك تشير معظم الدراسات المتعلقة بالنزاعات في المنطقة إلى أن العلاقة بين إيران والحوثيين لا تقوم على تبعية كاملة، بل على شراكة غير متكافئة. فقد منح الدعم الإيراني الحوثيين أدوات عسكرية وتقنية مهمة، كما عزز قدرتهم على إدارة حساباتهم المحلية المرتبطة بالسيطرة على الأرض وإدارة المناطق التي يسيطرون عليها.

وهنا تكمن نقطة جوهرية كثيراً ما تُغفل في بعض الأدبيات غير اليمنية: فالمشكلة في كثير من التحليلات الخارجية أنها قرأت الحوثيين من زاوية تشكلهم التنظيمي، لا من زاوية التحول العقائدي والسياسي الذي حمله مشروعهم منذ وقت مبكر.

لكن فهم الجذور الفكرية للحركة لا يكفي وحده لتفسير سلوكها العسكري اليوم، إذ لا بد أيضاً من النظر إلى قدراتها العسكرية وتطورها خلال سنوات الحرب.

فرضية العجز العسكري

في الاتجاه المعاكس، يظهر تفسير آخر يرى أن الحوثيين لم يعودوا قادرين على الانخراط في مواجهات إقليمية بسبب الضربات العسكرية التي تعرضوا لها أو نتيجة تراجع الدعم الخارجي.

غير أن الوقائع خلال السنوات الأخيرة تشير إلى أن الجماعة ما زالت تمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، خصوصاً في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وتشير تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن إلى أن الجماعة تمكنت من تطوير ترسانة متنوعة تشمل صواريخ باليستية قصيرة المدى وصواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيّرة بعيدة المدى.

وقد تطورت هذه القدرات تدريجياً خلال سنوات الحرب الطويلة في اليمن، بدعم تقني وتدريبي من عناصر مرتبطة بحزب الله والحرس الثوري الإيراني. كما لعب قاسم سليماني دوراً مهماً في توسيع شبكات النفوذ العسكري الإيراني في المنطقة وتعزيز التعاون العسكري مع عدد من الفصائل الحليفة.

ومنذ أواخر عام 2023 شن الحوثيون عشرات الهجمات على سفن تجارية وناقلات في البحر الأحمر وخليج عدن، مستهدفين سفناً مرتبطة بإسرائيل أو بالدول الداعمة لها، وهو ما أدى إلى اضطراب كبير في حركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

صحيح أن هذه الإمكانات لا تجعل الحوثيين قوة عسكرية تقارن بالجيوش النظامية، لكنها في الوقت نفسه كافية لمنحهم القدرة على التأثير في مسار الصراع الإقليمي.

ولم تعد وظيفة الحوثيين الإقليمية تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي يطلقونها، بل أيضاً بقدرتهم على تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ضغط دولية.

فالبحر الأحمر وقناة السويس يمثلان ممراً يمر عبره ما يقارب 12% من التجارة العالمية، وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.

ولذلك فإن تصوير الجماعة كقوة فقدت قدرتها العسكرية بالكامل لا يعكس الواقع الميداني بدقة.


إدارة التصعيد في الصراعات غير المباشرة

جزء من الالتباس في قراءة موقف الحوثيين يعود إلى سوء فهم لطبيعة الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط، التي غالباً ما تُدار عبر ما يُعرف بالحروب غير المباشرة.

في هذا النوع من الصراعات لا تتحرك جميع الأطراف المتحالفة في الوقت نفسه، بل تُستخدم أدوات الضغط المختلفة بشكل متدرج بهدف الحفاظ على مستوى معين من التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون مكلفة لجميع الأطراف.

ويلاحظ عدد من الباحثين في شؤون الأمن الإقليمي أن إيران تعتمد في إدارة علاقاتها مع حلفائها على نموذج يمنح هذه الجماعات هامشاً من الاستقلال التكتيكي، مع الحفاظ على مستوى عام من التنسيق السياسي والاستراتيجي.

ويوضح هذا النموذج لماذا قد تختار بعض هذه القوى التصعيد في لحظة معينة، بينما تفضل قوى أخرى التريث أو الاكتفاء برسائل ردع محدودة.


حسابات السلطة داخل اليمن

العامل الأكثر حسماً في تفسير سلوك الحوثيين قد يكون داخلياً أكثر منه إقليمياً.

فبعد سنوات من الحرب تحولت الجماعة من حركة متمردة إلى سلطة أمر واقع تسيطر على العاصمة صنعاء وعلى مناطق واسعة من شمال اليمن، يعيش فيها ما يقارب ثلثي سكان البلاد.

وتقدّر تقارير الأمم المتحدة أن اليمن ما يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج نحو 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية، بينما يعاني ملايين آخرون من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وهذا يعني أن أي قرار بتوسيع المواجهة العسكرية لا يضيف فقط بعداً إقليمياً للصراع، بل يفاقم أيضاً كلفة إنسانية هائلة يدفع ثمنها مجتمع أنهكته سنوات الحرب الطويلة.

كما أن أي سلطة تسيطر على أرض وسكان ومؤسسات تدرك أن الدخول في مواجهة إقليمية واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة، سواء عبر استهداف مباشر أو عبر إعادة إشعال جبهات الحرب داخل اليمن.

ومن هنا يصبح الحفاظ على السيطرة الداخلية عاملاً أساسياً في حسابات القرار لدى الجماعة، وربما أحد الأسباب التي تجعلها أكثر حذراً في توسيع نطاق المواجهة.


ما بين الداخل والإقليم

بمعنى آخر، عدم انخراط الحوثيين الكامل في الحرب لا يعود إلى العجز ولا إلى انتظار قرار إيراني، بل إلى حسابات استراتيجية تتعلق بإدارة التصعيد الإقليمي والحفاظ على سلطتهم داخل اليمن.

ما تكشفه هذه القراءة هو أن سلوك الحوثيين لا يمكن تفسيره من خلال فرضية واحدة بسيطة. فالجماعة تتحرك في مساحة معقدة تجمع بين ارتباطات إقليمية وحسابات محلية وضغوط دولية.

وفي مثل هذه البيئات، كثيراً ما يكون الامتناع عن التصعيد خياراً استراتيجياً بقدر ما يكون التصعيد نفسه أداة سياسية وعسكرية.

إن قراءة موقف الحوثيين من زاوية الضعف المطلق أو التبعية الكاملة لإيران تختزل واقعاً أكثر تعقيداً. فالحركة باتت لاعباً سياسياً وعسكرياً يوازن بين شبكة علاقاته الإقليمية وبين متطلبات بقائه كسلطة أمر واقع داخل اليمن.

ولهذا فإن صمت الحوثيين في بعض لحظات التصعيد لا ينبغي فهمه بالضرورة كعلامة على الغياب أو العجز، بل بوصفه شكلاً من أشكال التموضع الاستراتيجي.

فالجماعة لا تتحرك فقط عندما تُؤمر، ولا تمتنع فقط عندما تُستنزف، بل تعيد حساباتها عندما ترى أن كلفة الحركة قد تكون أعلى من عائدها السياسي والعسكري، أو عندما ترى أن لحظة الحركة يجب أن تخدم بقاءها السياسي.

لذلك فإن التحولات الجيوسياسية في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة جعلت من اليمن موقعاً مركزياً في معادلات الأمن الإقليمي، وهو ما يزيد من أهمية الدور الذي تلعبه القوى المحلية، بما في ذلك الحوثيون، في تشكيل ملامح الصراع الأوسع في المنطقة.

الكلمات الدلالية