صنعاء 19C امطار خفيفة

عدن… المدينة التي بلا مظلة سياسية

في الوقت الذي تسارعت فيه المحافظات الجنوبية إلى ترتيب بيتها الداخلي وتشكيل كيانات سياسية تعبر عنها وتحمي مصالحها، ما زالت عدن – بكل تاريخها وثقلها – تقف في المشهد السياسي وكأنها بلا صوت موحد ولا مظلة تحمي أبناءها.

فالمتابع لما يجري في الجنوب يلاحظ بوضوح أن محافظات مثل شبوة وحضرموت والمهرة استطاعت أن تقدم نفسها كقوى سياسية لها حضورها وتأثيرها. هذه المحافظات لم تكتفِ بالتذمر من التهميش، بل اجتهدت في بناء أطر سياسية واجتماعية تمثل أبناءها، الأمر الذي مكنها من فرض حضورها في أي معادلة أو تسوية سياسية قادمة.
ولعل المثال الأبرز اليوم هو حضرموت، التي استطاعت أن تعزز موقعها في المشهد السياسي، وأن تحصل على حضور أوسع في الحكومة، لأنها قدمت نفسها ككيان يمتلك رؤية وموقفاً وقدراً من التماسك الداخلي.
أما عدن، المدينة التي كانت دائماً قلب التحولات السياسية في اليمن، فما زالت تعاني من حالة تشتت بين أبنائها. فالنخب العدنية موزعة بين أحزاب وكيانات مختلفة، وكل طرف ينظر إلى عدن من زاوية انتمائه السياسي، لا من زاوية مصلحة المدينة نفسها.
هذه الحالة جعلت عدن تبدو – للأسف – الحلقة الأضعف في المعادلة، ليس لأنها مدينة ضعيفة، بل لأن أبناءها يفتقدون إلى إطار جامع يوحد صوتهم ويعبر عن مطالبهم.
في الداخل، يعيش أبناء عدن واقعاً صعباً؛ فهم لا يمتلكون حتى اليوم مظلة سياسية تدافع عنهم أو تحمي حقوقهم. ما زالت أصواتهم تتعرض للتهميش، وما زال كثير منهم يشعر بأن المدينة التي احتضنت الجميع عبر تاريخها لم تجد من يحمي أبناءها في لحظة الحاجة.
وعندما يتعرض أحد أبناء عدن لظلم أو اعتقال، يظهر التضامن بشكل فردي من أشخاص أو مجموعات، لكنه يظل تضامناً محدود التأثير، لأنه لا يستند إلى كيان منظم قادر على تحويل هذا التضامن إلى قوة ضغط حقيقية.
ولهذا السبب، بدأ البعض يلجأ إلى القبيلة بحثاً عن الحماية، وهو أمر يعكس حجم الفراغ الذي تعيشه المدينة. فعدن التي كانت رمزاً للدولة المدنية والقانون، تجد أبناءها اليوم يبحثون عن حماية خارج إطار الدولة والمجتمع المدني.
إن استمرار هذا الوضع لا يخدم عدن ولا يخدم الجنوب ككل. فمدينة بحجم عدن ومكانتها التاريخية والاقتصادية لا يمكن أن تبقى خارج معادلة التنظيم السياسي.
ومن هنا، تصبح الحاجة اليوم ملحة أكثر من أي وقت مضى لقيام مظلة سياسية جامعة لأبناء عدن، مظلة لا تلغي التنوع السياسي ولا تصادر الانتماءات المختلفة، لكنها توحد الكلمة حول قضية واحدة: حماية عدن والدفاع عن حقوقها ومكانتها.
هذه المظلة لن تنجح إذا تحولت إلى مشروع ضيق لجماعة أو مجموعة من الأشخاص، ولن تحقق هدفها إذا قامت على الإقصاء أو الاحتكار. نجاحها الحقيقي يكمن في قدرتها على استيعاب الجميع، وفتح الباب لكل أبناء المدينة للمشاركة فيها.
فعدن ليست ملكاً لأحد، ولا يمكن أن يمثلها فرد أو مجموعة محدودة. عدن أكبر من الجميع، وتاريخها أكبر من كل الحسابات الضيقة.
ولهذا فإن اللحظة الراهنة تتطلب قدراً من الشجاعة والتواضع من الجميع، وأن يدرك أبناء عدن أن التنازل لبعضهم البعض ليس ضعفاً، بل هو الطريق الوحيد لبناء قوة حقيقية تحمي المدينة.
إن توحيد الصوت العدني اليوم ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة لحماية المدينة من التهميش، ولإعادة حضورها في أي تسوية سياسية قادمة.
فعدن التي كانت دائماً منارة للتغيير ومدينة للتنوع والانفتاح، لا يليق بها أن تبقى بلا كيان يعبر عنها…
ولا يليق بأبنائها أن يبقوا متفرقين بينما الجميع من حولهم يوحد صفوفه ويصنع مستقبله.

الكلمات الدلالية