البيدق الأخير في الرقعة المضطربة
اللحظة الإيرانية في أواخر السبعينيات بدت أقرب إلى إعادة توزيع أدوار داخل النظام الدولي منها إلى قطيعة تاريخية مكتملة. ثمانون عاماً قضاها محمد رضا بهلوي، ومن قبله رضا شاه، في تموضع واضح داخل المدار الغربي، قبل أن ينقلب المشهد مع عودة روح الله الخميني من منفاه الباريسي إلى طهران. في الخلفية كانت الحرب الباردة عند ذروتها، والهاجس السوفييتي يتقدم نحو المياه الدافئة، فيما تُعاد صياغة خرائط النفوذ بأدوات أيديولوجية أكثر قدرة على التعبئة من الملكيات التقليدية.
الثورة التي اندلعت في شوارع طهران لم تبدأ بعمائم سوداء، ولم تكن فعلاً فقهياً خالصاً. شارك في إشعالها طيف واسع من المثقفين والتيارات المدنية واليسارية، لكن لحظة الفراغ التي أعقبت سقوط الشاه امتلأت بقوة أكثر تنظيماً وأشد انضباطاً. تغير مسار الموجة سريعاً، واستقر المقود في يد رجال الدين، وتحول الحلم المدني إلى سلطة عقائدية صلبة أعادت تعريف الدولة والمجتمع معاً.
المشهد الباريسي الذي انطلق منه الخميني حلقة مفصلية في فهم طبيعة الصعود. العواصم الكبرى لم تكن بعيدة عن حسابات التحول، والقرارات التي تصاغ في الغرف المغلقة كثيراً ما تسبق الشعارات المعلنة. صناعة الملوك أجدى من اعتلاء العروش، ولولا تقاطع الإرادات الدولية مع اللحظة الداخلية لما أقلعت تلك الطائرة نحو طهران.
سرعان ما اكتسب النظام الجديد شرعيته الثورية عبر شعارات "الموت لأمريكا وإسرائيل"، وتجسدت ذروة التعبئة في أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية إبان إدارة كارتر، ثم في استبدال السفارة الإسرائيلية بمكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في مشهد رمزي كثيف الدلالة.
خلال الأشهر الأولى تدحرجت ماكينة الإعدامات بسرعة لافتة، وطالت ضباطاً ومفكرين وناشطين، وترافق ذلك مع إعادة تشكيل الفضاء العام وفق سردية دينية صارمة امتدت من المحاكم الثورية إلى تفاصيل الحياة اليومية. هكذا تكرّس نموذج دولة تعيد هندسة المجتمع على صورة العقيدة الرسمية، وتربط الشرعية السياسية بتمثيلها الحصري للثورة.
أخذت طهران تبني نفوذها على إيقاع تعبئة مذهبية عابرة للحدود. استُحضرت كربلاء رمزاً سياسياً دائماً، وتحول الانقسام السني الشيعي إلى أداة اشتباك ممتد. هذا المسار يجد جذوره في تحولات سابقة من تاريخ إيران، منذ العهد الصفوي مع إسماعيل الصفوي حين أُعيد تشكيل الهوية الدينية للدولة لخدمة مشروع سياسي توسعي، بما يكشف التداخل العميق بين العقيدة والجغرافيا في بنية الدولة الإيرانية.
في العراق تراكم النفوذ الإيراني بعد 2003 عبر شبكة حلفاء وأذرع مسلحة، وتحول الاقتصاد إلى ساحة مفتوحة للتداخل والتبعية، فيما بقيت الخدمات الأساسية رهينة اختلالات مزمنة. الصراع هناك تجاوز الحدود التقليدية ليغدو صراع سرديات وهوية ومجالاً حيوياً، حتى بدت إعادة رفات جنود من حرب الثمانينيات تذكيراً بأن الجرح لم يلتئم تماماً.
أما في لبنان فتشكل نموذج مختلف عبر حزب الله الذي رسّخ معادلة دولة داخل الدولة، وبات فاعلاً إقليمياً يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية. ارتبط اسمه بمحطات دامية، كان أبرزها انفجار مرفأ بيروت، الحدث الذي عمّق أزمة البلاد وأعاد طرح سؤال السيادة والقرار. بين خطاب المقاومة وحسابات الإقليم ظل البلد معلقاً على حافة انهيار طويل. ويمتد المشهد إلى اليمن، حيث تحول الصراع من أزمة داخلية إلى ساحة اشتباك مفتوحة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الممرات البحرية وموازين الردع في الخليج.
الخطاب الإيراني قدّم نفسه حارساً للهوية وحاملاً لراية المستضعفين، بينما كشفت الممارسة السياسية سعياً حثيثاً لاستعادة مجال نفوذ تاريخي بأدوات حديثة. في عالم تُرسم خرائطه بعيداً عن العناوين الرسمية تتبدل الأدوات حين تنتهي صلاحيتها، ويُعاد ترتيب الوكلاء وفق ميزان القوة لا وفق الشعارات. الإسلام السياسي، سنياً كان أم شيعياً، دخل مرحلة مراجعة قاسية بعد عقود من الاستثمار فيه، ومع تغير أولويات الرعاة تتغير خرائط النفوذ تبعاً لذلك.
تبدو إيران ما بعد 1979 مشروع نفوذ إقليمي يستخدم العقيدة والسياسة والتاريخ ضمن شبكة معقدة من المصالح الدولية. المجال العربي حاضر في حساباته ساحةَ تأثير حيوية، فيما تبقى الأدوار قابلة لإعادة التوزيع كلما تبدلت الأولويات. تتكشف الحكاية سلسلة ترتيبات متحركة تتغير أدواتها مع تغير المرحلة، بينما تتحمل المجتمعات كلفة صراع طويل على المجال الحيوي ومن يملك حق كتابة فصله التالي.