صنعاء 19C امطار خفيفة

علي صالح عباد مقبل.. أبجديات وطن

علي صالح عباد مقبل

ونحن نحيي ذكرى رحيل الرمز القائد الوطني علي صالح عباد مقبل، نتذكر مع رحيله كوكبةً من نجوم مجرات الزمن الحامل في أحشائه قضية وطن وشعب. هؤلاء كانوا كوكبةً من جواهر التضحية والنضال، كما كانوا عناوين زمنٍ مشرق فجرُه زمنُ ثورةٍ ورحلةُ استقلال وطنٍ قاعدته المساواة، وإصرارٌ لإضاءة الطريق للعابرين مسافات كل الطريق.


كانوا عناوين مخلدة؛ إن تذكرتَ اسمًا منهم ترتجف قلاع، وتتحرك أفئدة جماهير تنظر إلى الشمس ضياءً لأملٍ آتٍ، حاملًا مصالح شعبٍ ووطن. هكذا تقول سرديات ذاك الزمان. كان جيفارا عنوان وطنٍ إنساني مترامي الأطراف، تلاقت أطرافه لتصوغ للعالم معاني أن تكون وطنيًا أمميًا. فكان مانديلا وطنًا، وكان هوشي منه موحدًا لفيتنام، التي تُعتبر حاليًا تاجًا مرصعًا بقيم العم هوشي منه؛ لم تسقط رايته أبدًا، إدراكًا لمعنى الإنسان والوطن.
كثيرون كانوا على الدرب، حفروا في قلب التاريخ معالم تزعج حتى اليوم شياطين ممزقي الأوطان وإنسانية الانتماء لوطن تعلوه مكانة الإنسان المتسامي خارج صياغات أصحاب الدكاكين، متعهدي تفصيل مقومات الوطن حسب أسواق تجزئة الأوطان على طريقة قانون العرض والطلب، والسوق يحكمه صاحب رأس المال، ممول منهجية شيطنة إعادة تقسيم وهندسة الوطن إلى وحدات توزيع للأسماء والألقاب: شيوخًا، أمراء، وباعةً جوالين. فالوطن لديهم قطعة قماش يُجري تقسيمها بين أساطين الولاء والطاعة للشيخ أو السيد أو الأمير أو لخازندار بيت المال.
ونحن نحيي ذكر رحيل القامة، الوطن الإنسان، من تحدى الجبروت السلطوي الصالحي بأوج قوته، وما فرّط لا باليمن وطنًا للجميع ولا بإنسانه باعتباره أغلى قيمةٍ وتعابيره.
مقبل كان من نسيج ممتد بتاريخ يمنٍ عريق، وليس عُرْطةً يبيعها مفصلو الأوطان في آخر الأزمان لدى أصحاب الدكاكين من باعة التجزئة، تجار القرى والفخوذ والقبائل والعشائر، ودكاكين كتّاب أدعية الشيطان. رحلت يا مقبل، غادرتنا وتركت وطنًا فريسةً للأهواء.
عاد إلينا عبرها آخر الدهر تجار الحوافي والحارات، يقتفون فقه وآثار من سبقوهم من تجار الحروب ووكلاء تمزيق اللحمة الوطنية للتماسك الوطني الأوسع.
حزينون نحن يا مقبل عليك وعلى كثيرين رحلوا معك. رحل معك الجاوي عمر، كان عنوانًا لوطن، ومثله كان العالم عبدالله حسن العالم، ومعهما رحلت القامة السامقة أبوبكر السقاف. قبلهم رحل الرمز الحامل الصانع لمعنى أن تكون وطنيًا أمميًا، أستاذ الأجيال عبدالله باذيب، ومعه رحلت قامتان بقيمة وطن: علي وأبو بكر باذيب.
كثيرون رحلوا، تركوا بصماتهم لوطنٍ ومواطنٍ أسكنوهما المُقل، كان من بينهم جار الله عمر، وخالد الذكر من حفر اسمه بقلب الوطن بحروف من ذهب، الراحل علي سالم البيض. ولأن تاريخ صناعة وصياغة جوهر الوطن بمواصفات يصنعها رجال مثل علي عبدالمغني والشهيد الحمدي، فالتاريخ يخبرنا عن قامات رحلت بعد أن أسهمت بعطاءٍ لن يُنسى، منهم قامة كانت أيضًا بقامة وطن، هو الراحل عبدالله عبدالمجيد الأصنج، وقبله الشهيد السلفي، وقبلهما رحل الرمز، القيمة، الحرف، القلم: إدريس حنبلة.
أسماء كانت مواقفهم تصنع معنى الانتماء لوطن، وليس لدكان خردوات تسكنه عقول أتلفها الزمن، دمّرها ممول يعرف كيف يصطاد الفريسة سبيلًا لدمار معنى الوطن حين يحوّل المتهافتين للجاه والمال إلى مجرد تجار تجزئة لتجزئة الوطن والمواطن.
مراحل عصيبة مرت علينا، فقدنا خلالها من افتدوا الوطن بالروح، ولكن الزمن ظل كريمًا؛ أبقى لنا جواهر لا تُقدّر بثمن. أبقى لنا العزيز أبو باسل أنيس حسن يحيى، وأبو خالد، خالد الذكر محمد سالم باسندوه، وأبو سند محمد علي أحمد، نماذج كثيرة رغم ما أفسده التمويل وشراء الذمم.
أختم بالقول، مشيرًا لحديث الأخ الرئيس علي ناصر محمد مع إحدى الفضائيات؛ كان حديثًا يصب في مجرى وطن، أكد أنه إليه ينتمي ضمن رؤية أساسها وحدة الأرض والإنسان والتاريخ والجغرافيا، ومستقبل كيان وطني عنوانه دولة وطنية كاملة المعنى، حيث الدولة هي الأرض والإنسان والنظام والقانون والمواطنة المتساوية التي تعلو على كل ما دون الوطن. المواطنة المتساوية حماية كرامة الإنسان وسيادة الأرض والثروة.
طريقنا سيظل يناضل ليصل إلى طريق كما أراده من نحتفي بذكرى رحيله، الرمز الوطني الكبير علي صالح عباد مقبل. ولعل مقبل الأيام سيؤكد صحة ذلك؛ فلا مكان لمن يريد أن تحل الدكاكين ومحلات العطارة محل مكانة وتاريخ علي صالح عباد مقبل، ولن يُعاد صياغتها تزييفًا من خلال دواليب ألعاب سياسية تحت أي عباءات كانت: قروية، مذهبية، مناطقية، أو غيرها من مسميات دكاكين عطاري سوق الحراج.
واليافطات جاهزة من قبل الممولين ومانحي البركة وأسبقية التعيين والتلميع.
ختامًا،
لروحك السلام أيها المقبل… روحًا وموقفًا ما تزال مآثره تنشد استكمال رحلة نضال لبناء وطن يتحقق من خلال قوة وتماسك لحمته الوطنية أهداف حماية الأرض وسيادة الوطن وحرية وكرامة وسلامة إنسانه، حرًا كريمًا، ليس للبيع والشراء من قبل أي مدّكن، أو أي حامل لبندقية، أو من قبل مبشر كذاب يبشر بدخول جنة الفردوس أو ديوان وظيفة الجاه والمال والسلطان.

الكلمات الدلالية