الإسناد الإعلامي والخطابي والجماهيري… وكفى!
إنَّ عدم إقحام أنصار الله أنفسهم في إسنادٍ عسكري لإيران هو موقفٌ حكيم يجنب اليمن ويلات حربٍ لا ناقة له فيها ولا جمل، وهو قبل ذلك استجابةٌ لتوجيه الله تعالى: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾. فدرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، والحكمة تقتضي تقدير العواقب قبل الإقدام على الخطوات المصيرية.
لقد رأينا كيف أن تدخل حزب الله المحدود ببضعة صواريخ لم يُحدث أثرا حاسما في موازين القوى، لكنه عرّض لبنان لضرباتٍ ألحقت وستلحق أضرارا جسيمة بالحزب ويلبنان وبما تبقى من بنيته التحتية وقدراته الاقتصادية. والعبرة هنا ليست في الشجاعة المجردة، بل في حساب النتائج. فالمواجهة مع قوة غاشمة بإمكانات محدودة قد تتحول إلى كارثة واستنزاف مؤلم يدفع ثمنه اليمن ارضا وانسانا قبل غيره.
واليمن ليس في حاجة إلى مزيد من الدمار. لقد خاض تجارب قاسية، وأطلق في مراحل سابقة صواريخ متطورة، لكن المقارنة بين ما أحدثته تلك الضربات من أثرٍ محدود في الطرف الآخر، وبين ما ترتب عليها من أضرارٍ جسيمة طالت الموانئ والمنشآت والبنية التحتية في الداخل، تجعل من الحكمة التوقف مليا قبل الإقدام على أي تصعيد غير محسوب.
إن التاريخ الإسلامي والإنساني حافلٌ بالشواهد على أن قبول التسويات المرحلية ليس ضعفاً، بل قد يكون عين الحكمة. فقد قبل النبي عليه وعلى آله وصحابته الصلاة والسلام بشروطٍ بدت مجحفة في صلح الحديبية، حتى استشكل بعض الصحابة ذلك، لكنه كان فتحا مبينا ومقدمة لتمكينٍ أعظم. وكذلك فعل الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين قَبِل بوقف القتال حقنا للدماء، رغم أن كفة المعركة كانت تميل لصالحه. فحقن الدماء وصون الأوطان مقصدٌ شرعي عظيم.
وفي القرآن الكريم نموذجٌ آخر للحكمة السياسية، حين واجهت ملكة سبأ تهديدا وجوديا، فرفضت غرور قومها القائلين: ﴿نحن أولو قوة وأولو بأس شديد﴾، وقالت بحكمة: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون﴾، فجنّبت قومها حربا مدمرة باختيارها مسار التعقل والحوار.
وفي التاريخ الحديث، حين تعرضت اليابان لهزيمة ساحقة في الحرب العالمية الثانية، قبل الإمبراطور هيروهيتو بشروط الاستسلام القاسية، وأعلن لشعبه أنه ليس إلهاً كما كان يُعتقد، واختار أن يواجه التحدي بالعلم والعمل لا بالمكابرة العسكرية. فتحولت اليابان خلال عقودٍ قليلة إلى قوةٍ علمية واقتصادية كبرى، وحققت نهضةً أبهرت العالم.
إن الرسالة اليوم واضحة: أقصى ما ينبغي على الأنصار في لليمن فعله في سياق التضامن مع إيران هو الإسناد الإعلامي والخطابي والجماهيري؛ إدانة العدوان في الميادين، ورفع الصوت في المنابر، واطلاق المساجين على ذمة قضايا سياسية، وصرف المرتبات، ووضع المصلحة العامة فوق كل إعتبار.إختبار. العدوان ومواجهة الظلم بالكلمة، دون الانجرار إلى مواجهةٍ عسكريةٍ مباشرة لا تخدم مصلحة اليمن ولا شعبه.
فالمسؤولية الوطنية تقتضي تغليب مصلحة البلاد، والحفاظ على ما تبقى من مقدراتها، وتوجيه الطاقات نحو البناء الداخلي وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي. إن الحكمة ليست تراجعا، بل هي شجاعةٌ من نوع آخر؛ شجاعةُ ضبط النفس، وحسن تقدير المآلات.