صنعاء 19C امطار خفيفة

وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(30)

الحلقة الختامية

بعد هذه الوقفات المتتابعة مع آيات القرآن الكريم،

يبدو واضحًا أن الخيط الناظم لهذه السلسلة كلّها

لم يكن الوقوف عند الآية بوصفها نصًا يُتلى فحسب،

بل بوصفها قانونًا يهدي الحياة،

وسُنّة تفسّر الواقع،

ومعيارًا نراجع به أنفسنا،

لا غيرنا فقط.

لقد كانت هذه الرحلة محاولة للاقتراب من القرآن
على أنه كتاب هداية وبناء،
وكتاب وعي ومسؤولية،
وكتاب سنن لا تتخلف،
تعمل في الأفراد كما تعمل في المجتمعات،
وفي الحاضر كما عملت في الماضي.
ومن يتأمل الحلقات الماضية يكتشف أن القرآن كان يعيدنا، مرة بعد مرة،
إلى حقائق كبرى لا ينهض الإنسان ولا تستقيم الأمة إلا بها.
أولًا: القرآن يربط المصير بالداخل قبل الخارج
من أبرز ما تكرر في هذه الوقفات
أن التغيير لا يبدأ من الظروف وحدها،
ولا من الخصوم،
ولا من تبدل الموازين الخارجية،
بل يبدأ من داخل الإنسان ومن داخل المجتمع.
في أكثر من موضع قرر القرآن أن:
• النعمة لا تُسلب فجأة، بل حين يتغير ما بالنفوس.
• والتراجع لا يبدأ من الهزيمة الظاهرة، بل من الوهن الداخلي.
• والانهيار لا تصنعه الضربات وحدها، بل تصنعه القيم حين تضعف، والضمائر حين تنطفئ، والمعايير حين تختل.
ولهذا كانت آيات مثل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾
و﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً﴾
و﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾
ليست مجرد وعظ روحي،
بل تشخيصًا عميقًا لكيف تصعد الأمم وكيف تسقط.
ثانيًا: القرآن لا يفصل بين الإيمان والعمل
واحدة من أظهر الحقائق التي كشفتها هذه السلسلة
أن القرآن لا يعترف بإيمان معطل،
ولا بتدين معزول عن الواقع،
ولا بشعائر لا أثر لها في الأخلاق والسلوك.
فالعمل الصالح في منطق القرآن
ليس محصورًا في العبادات الفردية،
بل يشمل:
• العدل،
• والرحمة،
• والإحسان،
• وحفظ الحقوق،
• وإطعام الجائع،
• وتأمين الخائف،
• والإصلاح بين الناس،
• والأمانة في المسؤولية،
• والصدق في الكلمة،
• والنزاهة في المعاملة.
ومن هنا جاء التحذير القرآني الشديد
من انفصال العبادة عن الأخلاق،
ومن أن يبقى الدين مظهرًا دون أثر،
وصوتًا دون ضمير،
وشعارًا دون إنصاف.
ثالثًا: السنن القرآنية لا تحابي أحدًا
من الأفكار المركزية التي حضرت في أكثر من حلقة
أن سنن الله في الحياة لا تعمل بالمجاملات،
ولا تتوقف عند الانتماءات والشعارات.
فالعدل سبب بقاء،
والعلم سبب قوة،
والأخذ بالأسباب طريق تمكين،
والشكر سبب زيادة،
والظلم سبب هلاك،
والتنازع سبب فشل،
والتطفيف سبب انهيار الثقة،
والاغترار بالقوة بداية السقوط.
ولهذا رأينا في هذه الوقفات
أن القرآن لا يربط النتائج بالأماني،
بل بالأسباب.
ولا يمنح الأمم مكانتها لأنها تنتسب إلى الحق نظريًا،
بل لأنّها تقيم من الحق في واقعها ما يجعلها أهلًا لثماره.
رابعًا: القرآن يبني الإنسان من الداخل
لم تكن الآيات التي وقفنا معها تتحدث عن المجتمع والتاريخ فقط،
بل كانت تعود في كل مرة إلى الإنسان نفسه:
• إلى قلبه حين يغفل،
• وإلى عقله حين يتعطل،
• وإلى ضميره حين يضعف،
• وإلى نظرته لنفسه وللناس وللحياة.
فالقرآن أراد إنسانًا:
• لا تغره النعمة،
• ولا تفسده القوة،
• ولا يكسره اليأس،
• ولا يعميه الكبر،
• ولا يبرر له الإيمان أن يظلم،
• ولا تعفيه العبادة من المسؤولية.
ولهذا كانت التقوى في السلسلة ميزان القيمة،
وكانت الرحمة علامة صدق الدين،
وكان استحضار الآخرة ضمانة أخلاقية،
وكانت الهجرة من الظلم، والأخذ بالأسباب، والصبر، والرضا،
كلها أجزاء من بناء هذا الإنسان القرآني الواعي.
خامسًا: القرآن يريد أمة تبصر السنن لا تكتفي بردود الأفعال
هذه الوقفات، في مجموعها، كانت تردّنا إلى فكرة جوهرية:
أن القرآن لا يريد أمة تعيش منفعلة بالأحداث فقط،
بل أمة تفهم ما وراء الأحداث.
أمة تدرك:
• أن تداول الأيام سنة.
• وأن النصر ليس دائمًا علامة رضا، كما أن الهزيمة ليست دائمًا نهاية.
• وأن التمكين لا يأتي بالقفز على مراحل التكوين.
• وأن العلم ليس ترفًا، بل شرط نهوض.
• وأن الكلمة مسؤولية.
• وأن الوساطة قد تكون باب خير أو باب فساد.
• وأن البر والقسط مع الناس جميعًا من صميم الهداية، لا من هوامشها.
وحين يغيب هذا الفهم،
يتحول التدين إلى مجرد تفاعل عاطفي مع الوقائع،
لا إلى وعي يبني، ويزن، ويصلح، ويمنع التكرار.
سادسًا: رمضان لم يكن في هذه السلسلة زمنًا موسميًا فقط، بل مدرسة وعي
في كل حلقة تقريبًا كان رمضان حاضرًا،
لا بوصفه موسمًا للشعائر وحدها،
بل بوصفه فرصة لإعادة ترتيب الإنسان:
• في علاقته بالجوع،
• وبالوقت،
• وبالرغبة،
• وبالكلمة،
• وبالآخرين،
• وبنفسه،
• وبربه.
كان رمضان في هذه الوقفات
مدخلًا لفهم السنن لا للهروب منها،
ومجالًا لتربية الضمير لا لتعليق المسؤولية،
وتذكيرًا بأن العبادة الحقّة
هي التي توقظ القلب والعقل معًا.
ماذا أرادت هذه السلسلة أن تقول في مجموعها؟
ربما يمكن اختصار الرسالة الكلية لهذه الوقفات في معنى واحد:
أن القرآن لم ينزل ليكون زينة ثقافية،
ولا ليُختزل في التلاوة المجردة،
ولا ليبقى في حدود الوعظ الذي لا يمس الواقع،
بل نزل ليُعيد تشكيل الإنسان،
ويصنع وعيه،
ويضبط أخلاقه،
ويكشف له قوانين النهوض والسقوط،
وأسباب البقاء والهلاك،
حتى لا يعيش في الدنيا أعمى عن سنن الله فيها.
كلمة أخيرة
وهنا من المهم أن أقول بوضوح:
إن هذه الوقفات ليست سوى نزر يسير من بحار القرآن الكريم،
ولا تدّعي أنها تفسير للقرآن الكريم بالمعنى العلمي الاصطلاحي،
ولا تزعم أنها استوفت مراد الله في آياته،
فذلك مقام كبير له أهله وأدواته ومسالكه المعروفة.
إنما هي تأملات وخواطر،
ومحاولة لفهم بعض الآيات في ضوء السنن التي تتكرر في النفس والحياة والتاريخ،
بحسب ما فتح الله به من فهم،
وبحسب ما تَشكّل عبر رحلة عمر مع القرآن الكريم.
رحلة بدأت طفلًا ودارسًا في حلقات تحفيظ القرآن،
ثم معلّمًا ومدرّسًا فيها،
ثم قارئًا يزداد مع الأيام نضجًا،
ومع الاطلاع اتساعًا،
ومع تجارب الحياة وابتلاءاتها ووقائعها إدراكًا
أن القرآن لا يكشف معانيه دفعة واحدة،
وأن الآية نفسها تكبر في القلب كلما كبر الإنسان،
وتتسع دلالتها كلما اتسعت خبرته بالحياة والناس والزمان.
ولعل أجمل ما تعلمته من هذه الرحلة
أن القرآن لا تنقضي عجائبه،
وأن الإنسان لا يفرغ منه،
وأننا كلما عدنا إليه بصدق
وجدنا أنه لا يكرر لنا المعنى نفسه،
بل يفتح لنا من الهداية على قدر ما ننضج،
وعلى قدر ما نصبر في السؤال،
وعلى قدر ما نصدق في طلب الحق.
خاتمة السلسلة
في نهاية هذه الوقفات،
لا أزعم أنني قلت الكلمة الأخيرة،
ولا أنني أحطت بما ينبغي أن يقال،
لكنني أرجو أن تكون هذه الرحلة قد أعادت التذكير بحقيقة كبيرة:
أن القرآن كتاب حياة،
وأن تدبره ليس ترفًا ثقافيًا،
بل ضرورة وعي،
وأن الأمة التي تفقد صلتها المتدبرة بكتاب ربها
تفقد بالتدريج قدرتها على فهم نفسها،
وفهم واقعها،
وفهم طريق نجاتها.
فإن كان في هذه الوقفات من خير،
فهو من فضل الله وتوفيقه،
وإن كان فيها نقص أو قصور أو خلل،
فمن نفسي،
وأستغفر الله .
أسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا،
ونور أبصارنا،
ومصحح وعيِنا،
ومقوم أخلاقنا،
ودليلنا إليه في زمن كثرت فيه الأصوات وقلّت البصائر.
وآخر ما تقوله هذه السلسلة:
لا يكفي أن نقرأ القرآن، بل أن نتدبره، والأهم أن نطبقه بسماحته وعدله وإحسانه في حياتنا وواقعنا حتى لا نكون ممن تشملهم الآية
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
والله من وراء القصد،،،
وإلى اللقاء في محطة قادمة إن شاء الله
ملاحظة: سوف يتم تحويل كل الوقفات التي نشرت طوال الشهر الكريم إلى كتاب إلكتروني متاح لمن يريد.
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن
وكل عام وأنتم بخير

الكلمات الدلالية