ثروة بلا أمن.. معضلة الخليج الاستراتيجية
في قلب منطقة تعج بالصراعات، تقف دول الخليج أمام مفارقة تاريخية؛ كيف تمتلك أدوات الثراء ولا تمتلك مفاتيح الأمن؟ فهذه الدول التي تملك واحدة من أكبر الثروات المالية في العالم، وتنفق مئات المليارات على التسلح والتحالفات، ما تزال تشعر بهشاشة أمنية كلما اندلع توتر في محيطها الإقليمي. هذه المفارقة ليست نتيجة ظرف عابر، بل تعبير عن بنية سياسية واقتصادية تشكلت عبر عقود، قامت في جوهرها على معادلة غير مكتوبة قوامها الثروة النفطية مقابل الأمن الخارجي.
منذ سبعينيات القرن الماضي وفّر النفط لدول الخليج فوائض مالية هائلة، فيما تولّت قوى دولية كبرى توفير مظلة أمنية تحمي هذه الدول في بيئة إقليمية مضطربة. وقد نجح هذا النموذج في تحقيق قدر من الاستقرار لعقود، لكنه خلق في الوقت نفسه اعتماداً عميقاً على الخارج في المسائل الأمنية. ومع توالي الأزمات بات واضحاً أن "الحماية المستوردة" ليست صكاً دائماً، بل عقد تحكمه حسابات المصالح وتقلبات السياسات في العواصم الكبرى. ويظهر الخلل حين تصبح القدرة الذاتية على إدارة التوازنات الإقليمية محدودة، أو مرهونة بقرارات تُتخذ على مسافات بعيدة.
إلى جانب ذلك أنتج الاقتصاد النفطي ما يُعرف بالدولة الريعية، حيث لا تعتمد الدولة على الضرائب الواسعة، ولا تتطور بالقدر نفسه العلاقة التقليدية بين الدولة والمجتمع القائمة على الإنتاج والمساءلة. ومع الزمن تحولت اقتصادات الخليج إلى منظومات تقوم بدرجة كبيرة على الاستهلاك والاستيراد والعمل الوافد، وهو ما جعل أمنها القومي مرتبطاً ليس فقط بتقلبات أسعار الطاقة، بل أيضاً باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية والتوازنات الجيوسياسية التي تتحكم بها.
في السنوات الأخيرة بدأت رياح التغيير تهب في المنطقة. فمشاريع التحول الاقتصادي في الرياض وأبوظبي ومسقط والدوحة ليست مجرد خطط لتنويع مصادر الدخل، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع بحيث يصبح المواطن شريكاً في الإنتاج لا مجرد مستفيد من الريع. غير أن هذا التحول يظل مهمة طويلة ومعقدة. فهو يتطلب معالجة تحديات سوق العمل، وتنمية قطاع خاص قادر على الابتكار والمنافسة، وإصلاحات مؤسسية تعزز الكفاءة والشفافية.
غير أن أهمية هذا التحول لا تقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى صميم مفهوم الأمن القومي نفسه. فاقتصاد قادر على إنتاج التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، بما في ذلك الصناعات الدفاعية، يتيح تحويل الثروة المالية إلى عناصر قوة صلبة تقلل من الاعتماد على الخارج في لحظات الأزمات.
كما يطرح التحول الاقتصادي تحدياً اجتماعياً وثقافياً لا يقل أهمية. فاقتصادات الخليج تعتمد بدرجات متفاوتة على العمالة الوافدة، ما يخلق معادلة ديموغرافية حساسة بين المواطنين والمقيمين. وفي حال وقوع أزمات إقليمية كبرى قد يتحول هذا التوازن إلى عامل ضغط على مفهوم الأمن الوطني. لذلك يصبح تعزيز دور المواطنين في الاقتصاد، وتطوير التعليم والمهارات، مسألة تتعلق أيضاً بالحفاظ على الهوية الوطنية بوصفها أحد عناصر الأمن غير المادية.
وتزداد إلحاحية هذا التحول في ظل التحولات العالمية في أسواق الطاقة. فمع تسارع سياسات التحول الطاقي وتنامي الاستثمارات في الطاقة المتجددة، يتزايد الحديث عالمياً عن احتمال تحول بعض الموارد النفطية إلى ما يسمى "وقوداً عالقاً"، أي أصول قد تفقد جزءاً من قيمتها في المستقبل. وهذا ما يجعل تنويع الاقتصاد ليس مجرد خيار تنموي، بل ضرورة استراتيجية.
ومع أن دول الخليج تشترك في التحديات العامة نفسها، فإن مسارات التحول الاقتصادي بينها ليست متطابقة. فالإمارات بنت نموذجاً اقتصادياً شديد الانفتاح يعتمد على التجارة والخدمات العالمية، بينما تسعى السعودية إلى إعادة تشكيل اقتصادها عبر مشاريع صناعية وتنموية كبرى، فيما تواصل قطر الاستثمار في الاقتصاد المعرفي والطاقة المتقدمة، فيما تميل الكويت إلى نموذج اقتصادي يقوم بدرجة أكبر على دور الدولة.
أما عُمان فاختارت نهجاً أكثر توازناً يقوم على الانفتاح الاقتصادي التدريجي والدبلوماسية الهادئة، بينما تواجه البحرين تحديات اقتصادية واجتماعية تعكس خصوصية موقعها السياسي وتركيبتها الداخلية في المنطقة.
وفي هذا السياق لا تبدو مشاريع المدن الاقتصادية الكبرى مثل "نيوم" مجرد مشاريع عمرانية، بل محاولة لخلق قطاعات اقتصادية جديدة قائمة على التكنولوجيا والصناعة والخدمات المتقدمة، بما يعيد تعريف دور المواطن في الاقتصاد بوصفه منتجاً لا مجرد متلقٍ للريع.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً في معادلة الأمن الخليجي تكمن في علاقته بمحيطه العربي. فبينما كانت الفوائض المالية الخليجية تبحث عن فرص الربح في الأسواق العالمية، كانت دول عربية عديدة تنزلق إلى أزمات اقتصادية وسياسية عميقة. صحيح أن بيئات الاستثمار في كثير من هذه الدول ظلت طاردة ومحفوفة بالفساد وعدم الاستقرار، كما أن التنافس الإقليمي وتدخلات بعض القوى العربية ساهم أحياناً في تعقيد تلك الأزمات. ومع ذلك يبقى السؤال قائماً؛ هل يمكن لبيت الخليج أن يظل آمناً بينما تحترق بيوت الجيران؟
فالتاريخ يخبرنا أن الأمن القومي لا يُبنى بالجدران العالية وحدها، بل بخلق شبكة مصالح اقتصادية وتنموية تجعل استقرار المنطقة مصلحة مشتركة للجميع. ومن هذا المنظور يصبح الاستثمار في استقرار الجوار العربي استثماراً أمنياً طويل الأمد، لا مجرد مساعدات إنسانية أو مبادرات ظرفية.
وربما لا توجد حالة تجسد هذه المفارقة بوضوح أكبر من اليمن. فبحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السكانية، ظل اليمن لعقود يمثل الخاصرة الرخوة للمنظومة الأمنية الخليجية. وفي فترات سابقة كان يمكن احتواء هذا الهشاش ضمن توازنات إقليمية محدودة، رغم ما شهده اليمن من صراعات داخلية. أما اليوم فقد تحوّل هذا الهامش إلى بؤرة عدم استقرار مفتوحة يصعب التحكم في تداعياتها. فاليمن لم يعد مجرد جار مضطرب، بل مثال واضح على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها انهيارات الدول المجاورة إلى مصدر تهديد مباشر للأمن الإقليمي، حين تتحول حدود الدولة إلى خطوط تماس مفتوحة مع صراعات أكبر منها.
يقف الخليج اليوم أمام عالم سريع التحول لا يعترف إلا بالدول القادرة على المناورة بين أقطاب الشرق والغرب. وقد بدأت بعض دوله بالفعل في تنويع شراكاتها الدولية، سواء عبر توسيع العلاقات الاقتصادية مع الصين وآسيا، أو عبر الانخراط في أطر تعاون جديدة مثل مجموعة البريكس، أو من خلال إعادة صياغة بعض الترتيبات الإقليمية. غير أن هذه الشراكات الجديدة، رغم أهميتها الاقتصادية، تقوم غالباً على حسابات مختلفة عن التحالفات التقليدية، فهي أقل التزاماً بالترتيبات الأمنية وأكثر تركيزاً على المصالح التجارية والاستثمارية.
وهذا ما يجعل مسألة بناء قاعدة قوة ذاتية أكثر إلحاحاً. فتنويع الشركاء قد يوسع هامش الحركة السياسية، لكنه لا يعوّض في حد ذاته عن الحاجة إلى اقتصاد إنتاجي متنوع، وقدرات صناعية وتكنولوجية متقدمة، واستثمار طويل الأمد في التعليم والبحث العلمي، إضافة إلى تطوير قدرات دفاعية أكثر استقلالية.
الاختبار الحقيقي لدول الخليج في العقد المقبل هو قدرتها على الانتقال من موقع الحليف الذي يتكيّف مع تحولات النظام الدولي، إلى موقع الفاعل الذي يمتلك منعة داخلية كافية للمشاركة في تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية، لا مجرد التفاعل مع نتائجها.