يحبون الصراخ!
تنتشر في وسائل الإعلام والفضاء الرقمي مقالات كثيرة عالية الصوت حول قضايا يومية، خصوصاً القضايا السياسية، لكنها في حقيقتها لا تستند إلى معرفة علمية، ولا إلى بيانات أو قراءة موضوعية للواقع، بل تقوم على انفعالات شخصية ورغبة في إظهار موقف عدائي أو تأييدي تجاه طرفٍ من الأطراف.
هذا النوع من الكتابة لا يبني وعياً ولا يثري نقاشاً، وإنما يتحول إلى منصة للتنفيس والشتائم والتحريض ونشر خطاب الكراهية، ومع ذلك يحظى بالتفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً ويكثر تداوله، دون أي محتوى يمكن أن يبقى، ومعظم هذه الكتابات انفعالية تنتهي بانتهاء الحدث أو المناسبة ولو قرأته بعد شهر من كتابته لن تجد فيه غير الضغينة أو السباب.
يقول بعضهم إن رواج هذه المقالات يعود إلى تحولات اجتماعية جعلت المحتوى يُقاس بمدى قدرته على إثارة الانتباه لا بمدى عمقه، فالمقال الانفعالي يجذب القرّاء بسرعة لأنه يوظف كلمات حادة وخطاباً بسيطاً يختصر الواقع في ثنائيات جاهزة، بينما المقال الموضوعي يتطلب جهداً من الكاتب ومن القارئ معاً، ولا يحقق عادة الانتشار المتوقع في زحمة الغرائز الهائجة والمزاج الانفعالي.
غياب المعايير المهنية وانخفاض جودة التحرير في كثيرٍ من المنصات الرقمية سمح بظهور كتّاب يكتبون ما يمليه مزاجهم لا ما تمليه حقائق أو قواعد مهنية أو موضوعية.
لكن المسألة لا تتوقف عند الكتّاب وحدهم، فالجمهور الذي يتلقّى هذه المقالات يلعب دوراً أساسياً في تعزيزها؛ فهو جمهور اعتاد أن يستهلك ولا يكلف نفسه النظر في مكونات ما يستهلكه.
كثيرٌ من القراء يبحثون عما يؤكد تحيزاتهم ويتملق مشاعرهم، وينعش عصبياتهم لا عمّا يصححها أو يصوّب طرق التفكير أو يعيد النظر في القناعات. لكل ذلك ينجذبون إلى المقالات التي تهاجم من يكرهون وتمتدح من يحبون، وهم مهيأون سلفاً للاصطفاف مع وضد، وهذا النمط يشبع رغبة نفسية في الشعور بالانتصار أو السخرية أو الثأر المعنوي.
في البيئات المليئة بالاحتقان أو الإحباط السياسي يصبح هذا النوع من المحتوى بديلاً عن الفعل الحقيقي؛ فالقارئ يشعر أنه شارك في معركة لمجرد أنه قرأ مقالاً غاضباً أو شاركه مع الآخرين.
إضافة إلى ذلك، يعاني كثيرٌ من الناس من إرهاق معرفي يجعلهم يفضّلون الانفعال السهل على التحليل والتعمق.
المقالات الانفعالية تمنحهم تعزيزات لقناعات جاهزة، ودتعفيهم من التفكير أو البحث، أما التحليل العميق، بما يتطلبه من بيانات ومقاربات متعددة، فغالباً ما يبدو ثقيلاً، وكثير من الناس يريد أن يشتم، لا أن يفهم .
هكذا تتكوّن علاقة تبادلية بين كاتب يستمرىءالمهاترات وجمهور يبحث عن الإشباع العاطفي لرواسبه، فينتج محتوى يعلو فيه الصوت وتنخفض فيه المعرفة.
هذه الظاهرة ليست عابرة، بل تعبير عن أزمة أوسع، وهي النشأة على عدم التفكير والنقد والمساءلة والشفاقية ومسؤولية الكلمة.
وهي تشمل الإعلام والثقافة والسياسة وتعكس ضعف الثقة بالمصادر التقليدية للمعلومة، وانتشار الاستقطاب الذي يجعل كل رأي معتدل موضع شك، وتراجع قدرة المجتمع على التمييز بين التحليل والمعركة الشخصية.
مع ذلك، يبقى الوعي الفردي قادراً على كسر هذه الحلقة إذا اختار القارئ أن يبحث عن المعرفة لا عن الانفعال، وأن يقيس جودة المقال بقدرته على تحليل الأفكار لا بقدرته على الصراخ.