صنعاء 19C امطار خفيفة

تحولات المشهد الإقليمي.. اليمن أمام اختبار وجودي في لحظة فاصلة

انفجار الصراع في المنطقة بالصورة الماثلة أمامنا اليوم يتجاوز كونه مواجهة عسكرية، ليتحول إلى هندسة معادلة توازن دقيقة تقف بين الردع والانفجار الكبير.

المفارقة الأكثر عمقا في هذه المعادلة، هي أن بقاء الخصم أحيانا يكون ضمانة لاستقرار نسبي، وأن أقوى الأوراق قد تفقد قيمتها إذا تغير السياق الذي منحها القوة، وهذا هو جوهر المعادلة التي يجري تثبيتها الآن في المنطقة.
أما نحن كيمنيين، الذين كنا دوما ضحايا لصراعات الآخرين، فليس المهم اليوم من ينتصر في صراع المحاور، بل هل نستطيع الاستفادة من التحولات الإقليمية، وتحويلها إلى فرص لتحييد البلاد وإعادة بناء الدولة؟ أم سنبقى رهينة حسابات الآخرين، ندفع ثمن استقرارهم حينا، ونحترق في فوضاهم حينا آخر؟
نحن اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي، ككيان دولة ومجتمع في خضم زلزال إقليمي تعاد فيه صياغة قواعد اللعبة من جديد.

تحذيرات أممية متكررة

جدد المبعوث الأممي هانس غروندبرغ مؤخرا من أن المسار الحالي لليمن يبعث على قلق عميق، مشيرا إلى تزايد المخاوف من العودة إلى نزاع شامل. ودعا إلى التعامل مع ثلاثة تحديات رئيسية: وقف شامل لإطلاق النار، معالجة التدهور الاقتصادي، وإطلاق عملية سياسية جامعة. وتؤكد التحذيرات الأممية، أن غياب الإرادة الوطنية يقود إلى تكرار سيناريوهات الفشل.

انهيار قواعد الاشتباك القديمة

في السياق الإقليمي، كانت إيران وإسرائيل وأمريكا تعرف "الخطوط الحمراء" لدى بعضها البعض، لكن اليوم، مع انهيار قواعد الاشتباك القديمة ومحاولة فرض "هندسة جديدة" بالقوة، تدخل المنطقة حالة الانفجار العشوائي؛ وفي الغالب، حين يتقاتل الكبار، فإن الدول الصغيرة والمجتمعات الهشة هي التي تتحطم أولا.
اليمن اليوم جزء من هذه المعادلة: إيران تستخدم الحوثيين ورقة ضغط رخيصة لزيادة كلفة الحرب على أمريكا وإسرائيل في البحر الأحمر، فكل صاروخ يطلق من اليمن هو رسالة نيابة عن طهران، وفي ظل الانشغال بالصراع الإقليمي، تصبح أولوية المجتمع الدولي "احتواء التصعيد" وليس "بناء السلام"، مما يؤدي بالضرورة إلى تجميد أي جهود سياسية جدية بحجة انتظار استقرار المنطقة، وبالتالي تأجيل الدولة إلى أجل غير مسمى.
لكن التحولات الإقليمية لا تحمل تهديدات فقط؛ فالتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة اليوم، ومقتل المرشد الإيراني إن صح ذلك، وما سبق ذلك من سقوط حزب الله في لبنان ونظام بشار الأسد في سوريا وتراجع أذرع إيران في المنطقة، يعكسان تحولا جوهريا في موازين القوى الإقليمية.
هذا التراجع يتيح فرصة لإضعاف النفوذ الإيراني في اليمن وإعادة توجيه الجهود نحو حلول سياسية مستدامة، كما أن القوى الدولية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باتت أمام فرصة لتعديل استراتيجياتها في اليمن، مع التركيز على تعزيز السيادة اليمنية ودعم مؤسسات الدولة.

شروط اغتنام الفرصة

يمكن لليمنيين استغلال هذه التحولات إذا تحقق شرطان رئيسيان:
الشرط الأول: توافق داخلي استباقي، وهو ما يتطلب خطاب وطني جامع يتجاوز خطاب المحاور المتصارعة في المنطقة، فالمطلوب ليس إنهاء الحرب فورا، وإنما الاتفاق على مبادئ تحكم الموقف من الصراع الإقليمي، على أن يكون اليمن في موقف "الحياد الإيجابي" في أي مواجهة، وأن السيادة الوطنية خط أحمر أمام جميع الأطراف.
الشرط الثاني: استغلال "تعب الكبار"، فبعد جولات التصعيد الكبرى، غالبا ما تدخل القوى العظمى في مرحلة الإنهاك، وفي هذه اللحظة، قد تبحث عن مناطق عازلة أو دول هادئة تضمن مصالحها دون حروب.
إذا قدم اليمن نفسه كمساحة استقرار، فقد يجد دعما إقليميا وعالميا غير متوقع، صحيح أن إيران قد تخسر ورقة، لكن دول الخليج وأمريكا قد تفضل يمنا محايدا على يمن مفكك يهدد الملاحة العالمية.

الحياد الإيجابي كخيار استراتيجي

لطالما كان اليمن ضحية أكثر من كونه فاعل قرار، والتحدي اليوم يتمثل في محورين:
الأول: كسر منطق التبعية
إذا انشغل الإيراني بخلافة المرشد، وإذا انشغل الإسرائيلي بأمنه، وإذا انشغل الأمريكي بوضعه الداخلي، فقد تكون هذه هي اللحظة التي يمكن لليمنيين فيها استعادة زمام المبادرة الداخلية، فتراجع النفوذ الإيراني يخلق بيئة أكثر ملاءمة لفتح قنوات حوار بين الأطراف اليمنية، تركز على المصالح الوطنية وليس على حسابات المحاور.
الثاني: التحييد الإيجابي
لا يعني الحياد الضعيف، ولكن القوة الذكية، بحيث لا يمنع موقع اليمن من أن يصبح دولة قوية ومزدهرة، لأن قواه الوطنية أتقنت فن إدارة الصراع دون الانحياز.
فالحياد الإيجابي يعني، عدم الانخراط في محاور إقليمية، وتحييد الأراضي اليمنية عن أن تكون منصة لتهديد أي دولة، وتوظيف الموقع الاستراتيجي لخدمة الاقتصاد الوطني (مثل تأمين الملاحة وجذب الاستثمارات)، إضافة إلى ذلك، بناء علاقات متوازنة مع جميع القوى الإقليمية والدولية.

الاختبار الوجودي

إذا تأكدت أخبار الاغتيال للمرشد الإيراني وتوسع التصعيد واستمراره، فإن الأيام القادمة ستكون عصيبة جدا على اليمنيين.
لكن كل تعقيدات أو أزمة تحمل في طياتها فرصة؛ فرصة اليمن تكمن في أن يكون "صخرة ثابتة" في بحر مضطرب، وليس "غصنا ينحني مع كل ريح".
ما هو مطلوب اليوم ليس انتظار مبادرات خارجية تنقذ اليمن، فالتاريخ علمنا أن المبادرات الخارجية تفشل عندما تغيب الإرادة الوطنية؛المطلوب، مبادرة داخلية تتضمن استراتيجية وطنية تستفيد من تحولات المنطقة، تبني توافقا داخليا يضع السيادة الوطنية فوق كل اعتبار، وتقدم اليمن كنموذج لدولة الحياد الإيجابي التي لا تهدد أحدا ولا تسمح بتهديد أحد من أراضيها.
إذا نجحنا في ذلك، فسوف نتحول من ضحايا للصراعات إلى صانعي فرص حقيقية، ومن رهائن للمشاريع الخارجية إلى فاعلين في رسم مستقبل اليمن والمنطقة، أما إذا فشلنا فسنظل ندفع ثمن حروب الآخرين إلى الأبد؛ هذا هو الاختبار الوجودي، وهذ هي اللحظة الفاصلة.

الكلمات الدلالية