صنعاء 19C امطار خفيفة

إيران بعد خامنئي: هل يتغير النظام أم يعيد تشكيل نفسه؟

إيران بعد خامنئي: هل يتغير النظام أم يعيد تشكيل نفسه؟

سواء تأكدت أنباء مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي أم ظلت في دائرة التكهن، فإن تزامنها مع تصعيد عسكري أميركي-إسرائيلي يضع إيران أمام واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ عام 1989. السؤال لم يعد محصورًا في "من يخلف المرشد؟"، بل تمدد ليطال بنية النظام ذاته، هل يمكن للحرب أن تفرض تغييرًا في طهران، أم أن الدولة ستعيد إنتاج نفسها تحت الضغط؟

يتجاوز دور خامنئي كقائد روحي، إلى كونه العمود الفقري لتوازن معقد بين المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية. ومقتله، إن ثبت، يفتح مسارًا دستوريًا واضحًا؛ إذ يمنح مجلس خبراء القيادة سلطة اختيار الخلف وفق ما ينص عليه دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع ترتيب مؤقت يمنع الفراغ. غير أن ما سيحسم المشهد فعليًا ليس النصوص، بل تماسك دوائر القوة، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني الذي بات الفاعل الأكثر تأثيرًا في المعادلة الداخلية.

افتراض أن الحرب وحدها قادرة على إسقاط النظام يبدو تبسيطًا مفرطًا. التجارب الحديثة تشير إلى أن الضربات الجوية، مهما اشتدت، لا تُحدث تغييرًا جذريًا إذا بقيت الأجهزة الأمنية متماسكة. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران تدخل هذه المواجهة وهي مثقلة بسنوات من الضغوط الاقتصادية والعقوبات، وبموجات احتجاج متكررة كشفت عمق التوتر بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع.

فالشارع الإيراني لم يكن هادئًا خلال السنوات الماضية. من احتجاجات الوقود إلى التحركات الواسعة بعد وفاة مهسا أميني، وصولًا إلى الإضرابات العمالية المتفرقة، تراكم غضب اجتماعي يرتبط بتآكل القوة الشرائية، وارتفاع البطالة، وتضييق الحريات.

هذا الشارع، الذي يعيش حالة احتقان مكتوم، قد يرى في أي اهتزاز على مستوى القيادة فرصة لإعادة طرح مطالب التغيير بقوة أكبر. غير أن الصورة ليست أحادية؛ فالحرب الخارجية قد تدفع جزءًا من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة تحت شعار الدفاع الوطني، بينما قد ترى فئات أخرى أن اللحظة مؤاتية للضغط من أجل تحول سياسي أعمق. قدرة الشارع على التحول من الغضب إلى فعل سياسي منظم ستعتمد على درجة التماسك الأمني، وعلى ما إذا كانت النخبة الحاكمة ستختار الانفتاح أو المواجهة.

إزاء ذلك، تبدو إيران أمام ثلاثة مسارات محتملة: تشدد داخلي يرسخ سلطة أكثر صلابة باسم الحرب، أو إعادة تشكيل هادئة داخل النظام تعيد توزيع النفوذ دون إسقاطه، أو تآكل تدريجي يفتح الباب أمام تحولات أعمق على مدى زمني أطول. أما سيناريو "السقوط الفوري"، فيظل الأقل ترجيحًا ما لم يترافق الضغط الخارجي مع انقسام حاد داخل مراكز القرار.

في المحصلة، ليست الحرب وحدها من سيحدد مستقبل إيران، بل التفاعل المعقد بين صدمة القمة، وضغط الشارع، وحسابات المؤسسة الأمنية. هناك، في هذا التقاطع بين الداخل الملتهب والخارج المتصاعد، ستتقرر الإجابة، هل تتغير الجمهورية الإسلامية جذريًا، أم تثبت مرة أخرى قدرتها على إعادة تشكيل نفسها في مواجهة العاصفة؟

الكلمات الدلالية