صنعاء 19C امطار خفيفة

ريمة.. عزلة مضاعفة وفقر يدفع الشباب للمخاطرة على الحدود اليمنية السعودية

ريمة.. عزلة مضاعفة وفقر يدفع الشباب للمخاطرة على الحدود اليمنية السعودية

كان حميد أحمد النميري (25 عامًا)، أحد أبناء محافظة ريمة، يبدأ يومه بالنظر إلى وجوه أطفاله الأربعة، مثقلاً بسؤال واحد: كيف يؤمّن لقمة العيش؟ أرض القرية لم تعد تُنتج كما كانت، الحرب أنهكت الاقتصاد، والرواتب تآكلت، والفقر أحاط بالبيت من كل اتجاه. في يونيو/حزيران 2023، اتخذ قراره الأصعب: التوجه نحو الحدود السعودية بحثًا عن مورد يسد به رمق أسرته.

لكن الرحلة لم تكن طريقًا إلى النجاة، بل إلى المأساة. في ممر جبلي يُعرف باسم "جبل حربي"، أوقفت دورية لحرس الحدود السعودي حميد واثنين من رفاقه. وبحسب شهادات رفاقه، اقتيدوا إلى مركز عسكري وتعرضوا للضرب والإهانة. حاول حميد الفرار، إلا أن المحاولة انتهت باعتداء عنيف، تركه غارقًا في دمه.

أُعيد الثلاثة إلى المنطقة الجبلية نفسها، حيث تُرك ينزف حتى فارق الحياة، وفق رواية رفيقيه اللذين اضطرّا إلى دفنه على عجل في حفرة ضحلة تحت غطاء من التراب وأغصان الشجر.

عندما بلغ الخبر أسرته في ريمة، تحوّل الانتظار إلى وجع مفتوح. يقول شقيقه صالح: "خاطبنا منظمات إنسانية بينها الصليب الأحمر الدولي، لكننا لم نتمكن من استعادة جثمانه حتى اليوم. ما نريده فقط أن يعود ليدفن بين أهله".


الموت والسجون.. خيارات مضاعفة

تقع ريمة في تضاريس جبلية قاسية، وتُعد من أكثر المحافظات اليمنية هشاشة من حيث البنية التحتية وفرص العمل. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، وصفت بعثة أممية زارت المحافظة لأول مرة وضعها الإنساني بأنه من بين الأسوأ في البلاد، مشيرة إلى أن نحو 74% من السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

وعلى وقع هذا الواقع، باتت الحدود بالنسبة لكثير من شباب ريمة خيارًا اضطراريًا لا مغامرة طوعية. ازدهرت أنشطة التهريب، خصوصًا تهريب القات، بوصفها مصدر دخل سريع، غير أن هذا المسار تحوّل إلى واحد من أخطر الطرق، حاصدًا أرواحًا عدة خلال السنوات الأخيرة.

بحسب رصد ميداني لمعدّ التقرير، قُتل 14 شابًا من منطقة واحدة في ريمة خلال سبع سنوات فقط، إضافة إلى عشرات الجرحى والموقوفين، فيما لا توجد إحصاءات رسمية شاملة توثق كامل الضحايا.

سنوات خلف القضبان

قصة محمد الحسني (40 عامًا) تسلط الضوء على جانب آخر من المعاناة. في مايو/أيار 2016، غادر متسللًا مع رفيق له باتجاه السعودية هربًا من ضيق الحال. أُلقي القبض عليهما، وظل محمد في السجن أربع سنوات دون تواصل مع أسرته، قبل الإفراج عنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 ضمن صفقة تبادل أسرى.

عاد ليجد أسرته قد دفعت ثمن غيابه؛ توفي شقيقه، وأصيبت زوجته بجلطة دماغية إثر الضغط النفسي، لتفارق الحياة بعد أيام من عودته. يقول متحسرًا: "عدت متأخرًا على بيت أنهكه الانتظار".

أما رفيقه، فقد أُفرج عنه في صفقة لاحقة عام 2022، لكنه عاد وهو يعاني آثارًا نفسية مستمرة.

"لا خيار آخر"

يقول "أمين" (اسم مستعار، 23 عامًا)، وهو يعمل في نقل القات عبر الحدود: "نعرف أن الطريق خطر، وأن الرصاص والسجن احتمال قائم. لكن حين لا تجد عملًا ولا مصدر دخل، تبدو المجازفة أقل قسوة من البقاء بلا أمل".

شاب آخر، "نجيب" (27 عامًا)، يضيف: "حتى من يعود حيًا يعود غالبًا مصابًا أو خاسرًا كل ما يملك".

بين النصوص القانونية والواقع

تنص اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، على ضرورة المعاملة الإنسانية ومنع التعذيب والمعاملة القاسية. كما يحدد النظام السعودي عقوبات لجرائم التهريب، تتراوح بين السجن والغرامة وفق حجم المخالفة.

غير أن شهادات الأهالي تشير إلى فجوة بين النصوص والتطبيق، حيث يتحدثون عن استخدام القوة المفرطة واحتجاز طويل دون تواصل منتظم مع الأسر.

المحامي والخبير الحقوقي علي الله العارضة يرى أن "أي استخدام مفرط للقوة ضد مدنيين أو ترك مصابين دون إسعاف يشكل مخالفة واضحة للمعايير الدولية".

أما الخبير الاقتصادي عزام محمد، فيربط الظاهرة بجذورها التنموية: "التهريب ليس خيارًا حُرًا، بل نتيجة مباشرة لانسداد الأفق الاقتصادي في محافظة تعاني عزلة تاريخية".

ويحذر الباحث الاجتماعي أحمد الجبري من تداعيات اجتماعية طويلة المدى: "نحن أمام جيل ينمو في ظل الفقد والإعاقة والانتظار، ما يترك أثرًا عميقًا على النسيج الأسري في ريمة".

أسر معلّقة بين الأمل والخوف

أم عبد الله تنتظر ابنها المفقود منذ عامين. تقول: "لا أريد مالًا، أريده فقط أن يعود".
أبو صالح، من جهته، عاد ابنه من الحدود مصابًا بشلل دائم جراء إصابة في العمود الفقري، ليصبح عبء الرعاية مسؤولية الأسرة مدى الحياة.

البحث عن بدائل

المعالجة لا تكون بتوسيع دائرة السجون أو المقابر، بل بفتح بدائل اقتصادية حقيقية. يتطلب ذلك:


خلق فرص عمل مستدامة للشباب في الداخل.

دعم مشاريع صغيرة وتنمية محلية في المناطق الأكثر هشاشة.

توسيع نطاق تدخل المنظمات الإنسانية في ريمة.

تعزيز آليات حماية المهاجرين وضمان التزام جميع الأطراف بالقوانين المحلية والدولية.

فالحدود، في نهاية المطاف، ليست مجرد خط جغرافي، بل مساحة تتقاطع فيها حياة بشرية تبحث عن فرصة للبقاء.

جيل على الحافة


من حميد الذي وُري الثرى بعيدًا عن قريته، إلى محمد الذي عاد مثقلاً بالفقد، تتجسد مأساة شريحة واسعة من شباب ريمة. بين الفقر والحرب والحدود، تبدو الخيارات محدودة، والنتائج قاسية.

هذه ليست حكايات تهريب فحسب، بل سردية مجتمع يبحث عن حياة كريمة وسط واقع يضيق عامًا بعد آخر.

الكلمات الدلالية