بعد عامين من الصمت.. سمية المقطري تكشف معاناة اعتقال والدها وتطالب بإطلاق سراحه
بين رغبتها في الحديث عن قضية أقلقت منامها، وبين اكتفائها بالصمت اعتقادًا منها بأن ذلك قد يقود إلى الإفراج عن والدها، عاشت سمية بشير سلام المقطري فصلًا من فصول المعاناة التي تجهل نهايتها. ولكن، عندما وجدت نفسها تدور في حلقة مفرغة، وأن ما تنتظر تحقيقه يزداد تعقيدًا، خرجت عن صمتها، وتحدثت لأول مرة عن قضية اعتقال والدها في صنعاء منذ أبريل 2024م، من قبل جهاز الأمن والمخابرات، ودون توجيه أية تهمة له.

تروي سمية (28 عامًا) تفاصيل معاناة بدأت منذ لحظة اعتقال والدها، قائلةً في حديثها لـ"النداء" إن والدها اعتُقل في 17 أبريل 2024، عند الساعة الرابعة مساءً، أثناء وجوده على متن باص في شارع تعز، بينما كان في طريق العودة للمنزل.
وتضيف أنه في نحو الساعة العاشرة مساءً، تلقت والدتها اتصالًا هاتفيًا على رقمها، وهو الرقم الوحيد الذي كان لايزال عالقًا في ذاكرة والدها، من جهاز الأمن والمخابرات، أُبلغت خلاله بأن زوجها معتقل لديهم، في حال رغبت الأسرة بمتابعة القضية.
وأفادت سمية بأنهم لم يتلقوا أي توضيح رسمي بشأن أسباب اعتقال والدها أو التهم الموجهة إليه، رغم متابعتها المستمرة مع الجهات المعنية، التي تكتفي، بحسب قولها، بتقديم وعود متكررة بقرب الإفراج دون تنفيذ.
كسر حاجز الصمت
ومع تكرر الوعود والتعلق بخيوط الأمل على مدى سنتين، اضطرت سمية أن تُخرج قضية والدها للنور، وقامت بكتابة منشور على منصة "فيسبوك"، قالت فيه إنها في البداية لم تكن تريد الكتابة أو النشر حول القضية، واعتمدت على معارفها وعلاقاتها، محاولةً متابعة القضية بكل الطرق المتاحة، ورغم ذلك لم يتغير مسار القضية، وظل والدها محتجزًا، وهي تراه أمامها يذبل وتخور قواه بسبب الأمراض المزمنة الحديثة التي أُصيب بها منذ اعتقاله.
وأضافت أنها تحملت أعباء كثيرة تفوق طاقتها كفتاة شابة، إذ تنقلت من مركز الشرطة إلى مكتب النائب العام ومكتب الرئاسة، ولكن كل تلك الجهود لم تُثمر بنتائج ملموسة على أرض الواقع.
وبحسب سمية، فإن قرار الحديث عن قضيتها جاء بعد أن ذاقت الأمرّين جراء الانتظار والصبر على الوعود الكثيرة التي مُنيت بها من المعنيين، مؤكدة أن صمتها لمدة عامين لم يكن نابعًا من ضعف أو عدم الشعور بالوجع لما يعيشه والدها، بل كان اعتقادًا منها بأن ذلك سيسهم في تسريع الإفراج عنه، لا سيما بعد أن طُلب منها عدم إثارة القضية.
عامان من الاحتجاز
ويعمل بشير سلام المقطري مستشارًا لهيئة الطيران المدني والإرصاد، وهو أب لثلاثة أبناء، أكبرهم سمية. وبحسب وصف ابنته، فقد كان إنسانًا معروفًا بهدوئه وأخلاقه وطبيعته المسالمة، كما أنه لا أعداء لديه، ولا يتبع أية جهة سياسية.
ورغم مرور مناسبات عديدة وإطلاق سراح معتقلين، تقول سمية إن والدها ظل رهن الاحتجاز طيلة العامين، دون توجيه أية تهمة له أو إحالة ملفه إلى النيابة.
وتنص المادة (76) من قانون الإجراءات الجزائية على أن أي شخص يتم القبض عليه مؤقتًا للاشتباه في ارتكابه جريمة، يجب عرضه على القضاء خلال مدة لا تتجاوز 24 ساعة من لحظة القبض. كما تُلزم المادة القاضي أو عضو النيابة العامة بإبلاغ المقبوض عليه بأسباب توقيفه، واستجوابه، وتمكينه من تقديم دفاعه واعتراضاته، قبل إصدار قرار فوري ومسبب إما بحبسه احتياطيًا أو الإفراج عنه.
غير أن هذه الإجراءات، لم تطبق في قضية اعتقال بشير المقطري، الأمر الذي يُعد انتهاكًا صريحًا ومخالفة واضحة لنص المادة القانونية في هذا القانون.
غياب قاسٍ
يعد غياب الأب من اشد التجارب إيلامًا داخل الأسرة، لما يمثله من دور مهم في الاستقرار المعيشي والدعم المعنوي. وقد عبرت سمية عن ذلك بقولها إن والدها ليس فقط ربّ الأسرة فحسب، بل هو المعيل الوحيد لست شقيقات، والركيزة الأساسية التي يستندون إليها، الأمر الذي جعل لغيابه أثرًا كبيرًا يمتد ليشمل الأسرة بأكملها.
وناشدت سمية الجهات المعنية في صنعاء، وعلى رأسها قيادة السلطة، سرعة الإفراج عن والدها وإعادة حريته وكرامته، مؤكدة أن الزيارة وحدها لا تكفي بالنسبة لها؛ لأنها لا تغيّر حقيقة الغياب، ولا تعكس حجم الحاجة له كأب لا يمكن الاستغناء عنه.
وتظل قضية بشير سلام واحدًا من نماذج المعاناة التي تعيشها أُسر المعتقلين، إذ تجد نفسها عالقة داخل دائرة لا تجد مفتاحًا للخروج منها، في ظل عدم توجيه تهم مباشرة، واستمرار بطء الإجراءات القانونية في التعامل مع مثل هذه الانتهاكات.
