جذور وأسباب القضية الجنوبية، اقتصادية لا سياسية
مع حلول أول أيام رمضان المبارك، وفي أجواء الصيام التي تمنح قدراً أكبر من التأمل وصفاء الذهن، وجدتُ نفسي أعيد التفكير بهدوء في واحدة من أكثر القضايا اليمنية إثارة وسوء الفهم، وهي القضية الجنوبية..!
لايمكن اختزال القضية الجنوبية في صراع جغرافي بين شمال وجنوب، ولاتفسيرها فقط باعتبارها عملية نهب منظّمة كما يروج لها البعض، بل هي نتيجة صدام بين نموذجين مختلفين في بناء الاقتصاد والإنسان قبل الوحدة اليمنية، ففي الشمال نظام رأسمالي حر، لدينا مجتمع قائم على المبادرة الفردية والعمل الحر، حيث كان المواطن تاجر أو مزارع أو مستثمر يعتمد على نفسه ويُسهم في إعالة الدولة اقتصادياً من خلال الضرائب والجمارك وغيرها من الموارد التي يدفعها المواطن للدولة..
أما الجنوب فقد كان نظام اشتراكي، مركزي قوي، أدارت فيه الدولة الاقتصاد بوصفها رب العمل والموزّع والمنظّم والإنسان مجرد آلة يتعب مقابل إعالته واسرته فقط، لايحق له الطموح بالثراء لأنه حينها سيجرم في حق نفسه وأسرته، وسيعامل كمجرم في نظر الدولة، فأصبح الاستقرار مرتبط بالوظيفة الحكومية والضمان الاجتماعي، مقابل تراجع الطموح والمبادرات الفردية وضعف تراكم رأس المال الخاص..
وعندما قامت الوحدة، ركز الجميع في الشطرين على الشق السياسي، وأهملوا الاقتصاد، ولم ينتبهوا ان البلاد انتقلت فجأة إلى اقتصاد السوق دون مرحلة انتقالية أو سياسات إصلاح حقيقية تهيّئ الشعبين لهذا التحول الكبير، وهنا برزت الفجوة بوضوح؛ إذ دخل المواطن الشمالي السوق بخبرة متراكمة وثقافة مخاطرة وقدرة على المبادرة والفعل، فيما وجد المواطن الجنوبي نفسه أمام واقع اقتصادي جديد بعد انسحاب الدولة من دورها التقليدي الذي اعتاد عليه، وقد زادت حساسية المرحلة لأن البنية الوظيفية في الجنوب كانت واسعة إلى حد كبير، حيث توسّع الجهاز الإداري قبيل التوقيع على اتفاقيات الوحدة بشكل ملحوظ، وتضخّم عدد الموظفين في مؤسسات الدولة والقطاعات المدنية والعسكرية والدبلوماسية، بما يفوق قدرة أي اقتصاد ناشئ على الاستيعاب بعد الانتقال إلى اقتصاد السوق..
مع تقلّص دور الدولة ورفع يدها، وترك الناس تواجه مصيرها وتسوس امور دنياها، تحوّل هذا التضخم الوظيفي للجنوبيين من عنصر استقرار اجتماعي إلى عبء اقتصادي واجتماعي صعب التكيّف معه، ماعمّق الإحساس بالاختلال لدى شريحة واسعة من المجتمع..
لذلك بدا الحضور الاستثماري والتجاري للشماليين أكثر في كل المجالات الاقتصادية والاستثمارية في المدن الجنوبية، ليس نتيجة عداء اجتماعي أو استغلال منظّم كما يحب تصويره بعض الغوغاء المتعيشين على القضية، بل بسبب اختلاف الجاهزية الاقتصادية والمهارية بين شعبين عاشا تحت تجربتين اقتصاديتين متباينتين لعقود طويلة..!!
أما الخطأ الجوهري فكان خطأ الدولة في إدارة التحول لا خطأ المجتمع؛ إذ لم يحدث انتقال تدريجي نحو اقتصاد السوق، ولم تُنفَّذ برامج حقيقية لإعادة تأهيل الكوادر الوظيفية أو تمكينها من الانتقال إلى القطاع الخاص، كما لم يتم بناء بيئة تساعد المواطن الجنوبي على التحول من متلقي للدخل إلى منتج مستقل..
ومع تراكم الإخفاقات تحوّل الشعور بالعجز إلى إحساس بالغبن، ثم إلى خطاب سياسي، قبل أن يتطور إلى سردية النهب والفيد بوصفها تفسير مبسط لأزمة أعمق تتعلق بسوء إدارة الانتقال الاقتصادي..
أعتقد ان ماجرى كان صدام غير محسوب بين فلسفتين، الأولى تُعلي بناء الدولة على حساب الإنسان الذي يكد ويكدح كالآلة لصالح الدولة، والأخرى تبني قدرات الإنسان، وتجعله يعتمد على نفسه في كسب رزقه بإشراف الدولة التي تسهل له بعض العراقيل بمقابل مالي يدفعه وليس مجانا، بينما تثبت التجارب الاقتصادية أن المجتمعات التي تُقوّي الإنسان أولا تكون الأقدر على الصمود والاستمرار امام أي تغيرات مفاجئة في حياة الأمم وتغيرات الدول..
أخيرا، كلامي هذا لاينفي إطلاقاً وقوع أخطاء سياسية وإدارية جسيمة رافقت مرحلة مابعد الوحدة وأسهمت في تعميق الشعور بالظلم لدى كثير من أبناء المحافظات الجنوبية، لكنه يحاول فقط قراءة جذور الأزمة من زاوية اقتصادية واجتماعية أوسع لفهمها بعيداً عن التبسيط والتسطيح أو الاختزال والاستغلال..