طفولة بلا مدارس.. جيل يمني عالق بين النزوح والانقطاع
ولدت سارة في مدينة تعز عام 2008، وسط أسرة استقرت في المدينة بعد عقود من الانتقال من ريف ريمة بحثًا عن الاستقرار والعمل. كانت حياتها تسير بإيقاع طبيعي: مدرسة صباحية، واجبات منزلية، وأحلام طفلة تطمح أن تصبح طبيبة أو مهندسة أو معلمة.
لكن الحرب قلبت المعادلة. تقول سارة: "لم أتخيل يومًا أن أحزم حقيبتي لأهرب من القصف بدل أن أذهب بها إلى المدرسة."
نزوح بلا بدائل تعليمية
مع اشتداد المواجهات في تعز، اضطرت الأسرة إلى النزوح نحو قرية بني الضبيبي في محافظة ريمة، مسقط رأس والد سارة، حيث منزل قديم شبه مهجور وأراضٍ زراعية تحتاج إلى جهد لإحيائها. كان انتقالًا قاسيًا من حياة مدنية إلى واقع ريفي شحيح الخدمات.

في القرية الجديدة، لم تتوفر مدرسة قريبة للبنات، ولم تكن هناك بنية تعليمية قادرة على استيعاب النازحين. تقرير الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2017 يشير إلى وجود 14 مدرسة خاصة بالإناث في ريمة فقط، معظمها في مراكز المديريات، بينما تمثل المدارس الثانوية ربع إجمالي مدارس المحافظة.
بالنسبة لسارة، انتهت الدراسة لتبدأ مرحلة أخرى: رعي الأغنام، جمع الحطب، ومساعدة الأسرة في تأمين احتياجاتها اليومية. تقول: "أعود مرهقة كل يوم، لكن ألم ترك المدرسة لا يفارقني."
من فصول الدراسة إلى جبهات القتال
لم تكن سارة وحدها من انقطع عن التعليم. إخوتها الأربعة تركوا المدرسة أيضًا؛ اثنان منهم جُنّدا في صفوف أطراف الصراع رغم عدم بلوغهما السن القانونية.
وفق تقارير اليونيسف، تم تجنيد أكثر من 3,600 طفل بين 2015 و2021، فيما تشير تقديرات محدثة حتى 2025 إلى تجاوز العدد 4,500 طفل، في ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع المعيشية.

والد سارة يعاني من أمراض عصبية وصرع، وأجرى ثلاث عمليات جراحية خلال خمس سنوات، ما ضاعف الأعباء على الأسرة. الأم، القادمة من مدينة لم تعهد الحياة الريفية، وجدت نفسها مطالبة بتعلم أعمال شاقة كجمع الحطب وحمل المياه، إلى جانب إدارة شؤون المنزل. تقول:"الحياة هنا قاسية، لكن ليس أمامنا سوى التماسك والعمل."
منظومة تعليمية منهكة
ما تعيشه أسرة سارة يعكس صورة أوسع للتعليم في اليمن. بحسب تقرير لليونيسف عام 2024، فإن نحو 196 ألف معلم ومعلمة - أي ثلثي الكادر التعليمي - لم يتقاضوا رواتبهم بانتظام منذ عام 2016، ما أدى إلى تعطل العملية التعليمية في آلاف المدارس، خصوصًا في المناطق الريفية.

في المدرسة القروية التي كان من المفترض أن تتابع فيها سارة تعليمها، لم يعد يصطف سوى أربعين طالبًا صباحًا، بعد أن كان العدد يتجاوز 500 قبل الحرب. ألغيت المراحل الإعدادية والثانوية بسبب قلة الطلاب ونقص المعلمين، فيما تعاني الفصول المتبقية من شح الكتب وضعف التجهيزات.
أحد الآباء يقول: "أرسلت ابني إلى صنعاء ليكمل تعليمه. هنا لا مستقبل واضح. البعض زوّج بناته مبكرًا بدل انتظار مدرسة قد لا تستمر."
أرقام مقلقة
أكثر من 4.5 مليون طفل خارج المدارس في اليمن.
نحو 400 ألف انقطعوا مباشرة بسبب الحرب.
2,426 مدرسة تضررت أو استُخدمت كملاجئ، وفقًا لليونيسف.
وفي ريمة تحديدًا، تشير بيانات إدارة تعليم الفتاة إلى أن 17,800 فتاة تركن الدراسة عام 2018، بينما تقديرات حديثة لمكتب التربية بالمحافظة ترفع العدد إلى أكثر من 25 ألف فتاة لم يعدن إلى التعليم منذ 2020.

انقطاع الأطفال عن المدارس لا يعني توقف التعلم فحسب، بل انتقالهم إلى مسارات خطرة: العمل المبكر، التجنيد، أو البقاء في المنازل بلا نشاطات تعليمية. يتحول اليوم الدراسي إلى يوم عمل في الحقول أو الأسواق، وتصبح الكتب ذكرى بعيدة.
سارة اليوم في السابعة عشرة. لا تزال تحلم بالتعلم بطريقة ما، وتقول: "ربما لن أصبح طبيبة، لكني سأتعلم قدر استطاعتي، وسأعلّم أولادي أن الحرب لا يجب أن تهزم أحلامهم."
دعوة لإنقاذ الحق المؤجل
تحذر اليونيسف من أن ملايين الأطفال، خاصة الفتيات والنازحين، مهددون بفقدان حقهم في التعليم إذا استمرت الأوضاع الحالية. وتدعو إلى:
وقف الهجمات على المدارس وضمان بقائها مناطق آمنة، صرف رواتب المعلمين بانتظام، وتمويل مرن ومستدام لبرامج التعليم، مع تركيز خاص على تعليم الفتيات والنازحين.
التعليم في اليمن لم يعد مجرد خدمة عامة، بل خط الدفاع الأول عن مستقبل جيل كامل. وقصة سارة ليست حالة فردية، بل نموذجًا يتكرر في مدن وقرى عديدة، حيث أصبح مقعد الدراسة حلمًا مؤجلًا ينتظر قرارًا سياسيًا ودعمًا فعليًا يعيده إلى مكانه الطبيعي: في حياة الأطفال، لا في ذاكرة الحرب.