إبراهيم سعيد الشيباني.. والزمن الجميل
إنه زمن البراءة والخيال في أسمى تجلياته؛ ذلك العصر الذي لم يكن مجرد حقبة زمنية، بل كان حالة من الحلم النبيل بالتقدم الاجتماعي والتغيير الجذري. كان عصرًا اتسم بسخاء العطاء الذي لا ينتظر مقابلًا، وروح فدائية استثنائية جعلت منه "زمنًا جميلًا" بكل ما تحمله الكلمة من دلالات وقيم.
في ذلك الحين، كان الحلم بالتغيير كفكرة ورؤية هو المحرك العظيم والهمّ الأوحد الذي يسكن وجداننا؛ لذا غابت عن مخيلتنا هواجس الصراع على السلطة أو التهافت على الكراسي. كان الأساس المتين الذي نرتكز عليه هو حلم بناء "دولة المواطنة" التي تتسع للجميع، وتنحصر غايتها في إنصاف المستضعفين والفئات التي طالها التهميش الاجتماعي.
كنا -ومانزال- مسكونين بفكرة التغيير، لفظًا ومعنى، ولم يكن جيلنا يطمح للحكم، وإلا لما رأينا تلك القوافل الطويلة من التضحيات الجسيمة التي قدمها الرفاق؛ من شهداء ضحوا بأرواحهم، وسجناء قضوا زهرة شبابهم خلف القضبان، ومخفيين قسرًا لايزال مصيرهم غصة في حلق التاريخ حتى يومنا هذا.
ولأن هذا الزمن جسّد تلك القيم، سيظل البحث عنه مشروعًا إنسانيًا دائمًا، وبحثًا عن جوهر الصيرورة الإنسانية وتحدياتها التاريخية.
إبراهيم الشيباني: سليل الفجر الموءود
رفيق العمر، إبراهيم سعيد الشيباني، هو الابن البار وسليل ذلك الزمن الذي لم يطل علينا إلا كطيف حلم عابر؛ بدأ مع تباشير ثورة 26 سبتمبر العظيمة، قبل أن تُجهض في منعرج الخامس من نوفمبر 1967م. وعندما لاح الحلم ثانيةً في أفق شباب انتفاضة 11 فبراير 2011م السلمية، سرعان ما تم اختطافه عبر إعادة إنتاج دورات العنف والحروب التي أكلت الأخضر واليابس، ومانزال حتى اللحظة نترقب انقشاع هذا الغبار.
المثير للإعجاب والمثير للشجن في آنٍ واحد، أن الصديق إبراهيم بن سعيد الشيباني لم يعد يطيق الانتظار، ومع ذلك يظل متمسكًا بخيط الأمل بإصرار عجيب؛ فهو/ نحن، كما وصفنا الراحل الكبير سعد الله ونوس، "محكومون بالأمل".
كان إبراهيم -ولايزال- إنسانًا وفيًا، صادقًا، ونبيلًا في علاقاته الاجتماعية، قبل أن يكون رجل سياسة وفكر؛ إنه إنسان نذر حياته بالكامل لخدمة الناس والارتقاء بالمجتمع.
طموحات شاهقة وعنفوان لا يلين
في ريعان شبابه، حمل إبراهيم في أعماقه شغفًا إنسانيًا صادقًا بعالم جديد تسوده الحرية وتغمره المحبة والجمال؛ عالم يتسع لكل البشر باستثناء الطغاة والفاسدين والقتلة.
كانت طموحاته وأحلامه من الشموخ بحيث فاقت قدرة الواقع المتخلف على استيعابها، وهو ذات حلم جميع الرفاق الطيبين، وهو ما جعلني أتنبأ له مبكرًا برحلة حياة شاقة ومتعبة؛ فسقف أحلامه -وأمثاله- كان دائمًا أعلى بكثير من كوابح الواقع التاريخي والموضوعي.
ومع ذلك، ظل إبراهيم يجسد بصلابته صورة حقيقية لجيل كامل تقاذفته أمواج الحياة العاتية وصراعاتها المريرة.
على امتداد رحلته الوطنية والقومية والتقدمية التي تجاوزت نصف قرن، ظل "يعافر" الحياة بحركة دؤوبة لا تهدأ نحو المستقبل المنشود.
كأنه وُلد تقدميًا ويساريًا بالفطرة، ولايزال متمسكًا بهذا النهج رغم وعورة الطريق وتكالب الخيبات.
يمثل إبراهيم الشيباني، في سيرته الذاتية، نموذجًا للذات الإنسانية الحالمة التي لا تكف عن البحث عن المعنى؛ فلم ينل منه العفن السائد الذي واجهته هو ورفاقه في محطات تاريخية مختلفة، ولم يثنهم ذلك عن مواصلة الحلم.
الروح التي ترفض الشيخوخة
كلما رأيته أو تناهى إلى مسامعي صوته، استعدت تلك الصورة التي انطبعت في ذهني قبل خمسة عقود؛ صورة ذلك العنفوان "الشيباني" والإرادة الصلبة التي أراها اليوم وهي تعانق السبعين بكبرياء. ومن عجائب القدر أن إبراهيم لايزال قوي البنية، محتفظًا ببقايا وسامة لم تخفف من حدتها إلا صلعة غزت رأسه، لعلها الأثر الوحيد الذي استطاع الزمن أن يتركه على ملامحه.
أما روحه، فلاتزال تنبض بحيوية الشباب واندفاعه القوي نحو معانقة الحلم، وكأنه يرفض أن يقال إن نضاله كان "دون جدوى".
لم تكسره السنوات القاسية؛ فهو لايزال يفكر، يحلم، ويكافح من أجل استعادة الحلم في حلة إنسانية جديدة. فيه أرى حلمنا المتعثر، وبقدر ذلك، ألمس فيه إرادة التحدي والإصرار على البحث عن الجوهر الإنساني الأصيل.
ذاكرة الأرض والإنسان في "بني شيبة"
أستحضر بوفاء عام 1976م، حين اصطحبني في زيارة إلى مسقط رأسه في "بني شيبة"، وهناك رأيت طيبة الناس البسطاء وكرمهم الفطري وحبهم الأزلي للأرض. مكثت حينها في منزل أسرة الصديق الجميل والنبيل، سلام التلاحة، بقرية "قحفة الشعبة"، وكانت أسبوعًا من أجمل أيام العمر؛ حيث غمرني والداه -رحمهما الله- بمحبة وحنو جعلاني أشعر كأنني لم أغادر بيتي.
خلال تلك الزيارة، تعرفت على قرية الصديق الراحل النبيل الأستاذ علوان سعيد الشيباني، المسماة "المدهف"، وعلوان تربطه بإبراهيم صلة قرابة وصداقة وطيدة. ومن المدهش أن هذه الأسماء كانت وماتزال تحظى بسمعة طيبة تلاحقهم في القرى والمدن على حد سواء. لاحقًا، حدثني إبراهيم كثيرًا عن علوان وعن جذورهما الأسرية الواحدة، وعرفت كيف كان علوان ينيط به مهام اجتماعية وخيرية لدعم أهل المنطقة، وغيرها من المناطق المجاورة، وهو ما أكده لي علوان لاحقًا في لقاءاتنا المشتركة.
بين النضال والعمل الوطني الذي كانه إبراهيم، نجد الكثير من صلابة وعناد علوان الشيباني ومبادراته؛ فعندما وجد إبراهيم أن القيود الوظيفية الحكومية تضيق بطموحه، اتجه للمشاريع الخاصة؛ من مطعم هنا ومخبازة هناك -حتى غدت "المخبازة" علامة مسجلة باسم الشيباني- بني شيبة، التي فيها يجتمع ويلتقي ويتوحد القائد السياسي والمثقف والقائد العسكري والأستاذ الأكاديمي/ الجامعي والرأسمالي الوطني.
ومع تعثر مشاريع إبراهيم ومبادراته الصغيرة، انتقل للعمل في القطاع الخاص مع "مجموعة هائل سعيد أنعم"، لكنه في كل محطاته لم ينسَ بوصلته الأولى: وطن مستقر تسوده العدالة والمواطنة.
لايزال إبراهيم كما كان؛ يقرأ بنهم، ويتابع تفاصيل الشأن اليمني والقومي بكل طاقة وحيوية. وحين أريد استعادة ذاكرة التاريخ، أجدني أعود لتصفح أوراق تلك الرحلة الجميلة مع تلك الصحبة النبيلة، حيث يظل إبراهيم الشيباني دائمًا في طليعة الأسماء التي لم تتغير ولم تتبدل.
لصديق العمر إبراهيم سعيد الشيباني.. كل التحايا، ودعواتي الصادقة بدوام الصحة والسلامة والعنفوان.