صنعاء 19C امطار خفيفة

متى ينتصر الوطن لقضيته؟

اللواء محمود الصبيحي قائدٌ وطنيٌّ صنعته المعارك؛ خاضها على الأرض، قارع تغوّل صالح، وقاوم انقلاب صنعاء، وذاق مرارة سجنها. حينما زرناه بعد تحريره من غياهب سجن الحوثي، والتقيناه بأرضٍ غاليةٍ علينا لأنها أنجبته واحتضنته، واحتضنت بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ زائريه، كنتُ بزيارته برفقة الأخوين العزيزين عوبل وسعيد عبيد، وجمعٍ من مثقفي مدينة عدن. كان حين التقيناه سمحًا، يعطي للبساطة معانيها العميقة، أنصتنا جيدًا، وإن عقّب فتعقيبه ينمّ عن شخصيةٍ تعرف أبعاد الإجابة المتوخاة لوطنٍ تمزقه الصراعات والخلافات. وهنا تكمن كياسة السياسة؛ فبدلًا من فتح مدافع الكلام على عواهنه، ينطق اللسان بما يمليه عقلٌ يختزن ذاكرة وطنٍ وهمومَ مواطن.


نحن الآن بمرحلةٍ أشد صعوبةً وتعقيدًا من تلك التي كانت حين زرناه قبل عقدٍ من السنوات.
نحن الآن بمرحلة نكون فيها دولةً، كيانًا نمتلك كل مقومات دولة المواطنة، وسريان مفعول النظام والقانون عبر مؤسسات دولة لها مرتكزاتٌ على الأرض، تنفّذ ما يُقال ويُطلق من شعاراتٍ ووعودٍ وبرامج.
نحن نمر الآن بمنحنى إعصارٍ ليس سهلًا تركه يجرف ما تبقى من علامات رحلةٍ كنا، وما نزال، ننشدها لمستقبل وطنٍ يصون كرامة المواطن عبر قانونٍ نافذ، ومؤسسةٍ تعمل، وإراداتٍ تملك حرية الحركة بما يضمن مسارات بناء مستقبل يعتمد العلم، والعمل، والتنمية، وصيانة أمن واستقرار البلد عبر مؤسستي الجيش والأمن، ويكون ولاء كلٍّ منهما للوطن، ولا يخضع لأي قراءاتٍ وادعاءاتٍ تعلو الدولة وسيادتها ونفاذ إرادتها.
تلك خصالٌ قرأها الزمن بسجل مواقف وتاريخ الأخ محمود الصبيحي، وسواه ممن يناضلون في سبيل استعادة الدولة المصادرة. وهو الآن، مثل غيره من الخيرين، يعمل على تعزيز مفهوم روح الانتماء الوطني بعيدًا عن أي انتماءاتٍ أو دعواتٍ مناطقيةٍ ضيقة الأفق. هو الآن جنديٌّ من جنود إعادة صياغة مستقبل بلدٍ وشعبٍ مسنودين بإرادةٍ وطنيةٍ عارمة تنشد الخلاص من براثن إثنيات القراءات العمياء التي تتكلس داخل حلقات مكوناتٍ ضيقة خارج مفهوم الدولة الوطنية، وما تزال رهينة معقل مصالحها الأنانية الضيقة، وتسلّط سيف قوتها لتتطاول ضد سلطة النظام والقانون، كما تجلى ذلك واضحًا حين هاجمت مجاميعها مفهوم الدولة بعقر دارها، حين هاجمت تلك المجاميع المسلحة بوابة قصر المعاشيق. تلك المجاميع، الأشبه بقوى الغطرسة والفايكينغ، هي قوى لا تختلف في الشكل والجوهر عن قوات حميدتي دقلو، ويبدو أن أنبوب التمويل واحد للجماعة التي هاجمت مدخل قصر المعاشيق وجماعة حميدتي سيئة الذكر بالسودان الشقيق.
أكتب ما كتبته بعد أن قرأت أن مجاميع من الأهل الكرام والأعزاء من الصبيحة هبّوا للدفاع ولحماية الرمز الوطني اللواء محمود الصبيحي وسواه من أي مكروه. نقول: نعم، وحيّا الله هكذا هبّة وموقف. لكن ما ينبغي قوله مع ذلك إنما يؤكد على أمرٍ ينبغي التأكيد عليه، فمهمة أمن وحماية حياة اللواء محمود، وهيبة سيادة الدولة، باتت قضيةً وطنية تخص كل شرفاء الوطن. مسألةٌ يتطلب تأمينها من قبل كل من يهمه اكتمال مسيرة وطن؛ مسيرة استعادة دولةٍ وطنيةٍ مكتملة الأركان.
إن مسلّمة حماية الأخ اللواء، كعنوانٍ ورمزٍ لدولة، باتت مهمة دولة عبر مؤسسات ينبغي أن يكون لها وجودٌ فاعلٌ على الأرض. وها نحن أمام امتحان لما شاهدناه من اعتداءٍ آثم على شرعية الدولة، وقوة نفاذ قوانينها، وأداء مؤسساتها. إن المرحلة باتت تتطلب التوحيد الفوري لكل مفاعيل القوة بما لديها من بشرٍ وسلاح تحت سلطة الدولة. الجيش ينبغي أن يصبح موحدًا عبر وزارة الدفاع، وينبغي إنهاء تشتت جهات الأمن وتوحيدها تحت لواء أجهزة وزارة الداخلية وأجهزة الأمن التابعة لسلطة الدولة المركزية.
ندرك صعوبة النظر، لكن البقاء بمنطقة المراوحة تكمن فيه المخاطر كلها، والأمر يستدعي ليس فقط تجاوزها، بل إعادة دمجها وتأسيسها سريعًا من جديد تحت سلطة الدولة وقوانينها ومؤسساتها. تلك هي الحالة التي تشكل واحة الأمان لمستقبل وطنٍ يشارك في بنائه وصناعته الأخ اللواء محمود الصبيحي، ومعه كل من يؤمنون بوطنٍ موحد لا تتنازعه الأهواء، وتبتزه مخلفات صراعاتٍ دفعنا لها ثمنًا باهظًا دماءً وتكلفةً وتمزقًا وتخلّفًا.
الدولة الوطنية القوية المتماسكة وحدها القادرة والكفيلة بحل كل الملفات العالقة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، إذ يمثل حلها إشراقةً لطريق مستقبلٍ غير محفوفٍ بالمخاطر، ولا بديل عن هذا السبيل.

الكلمات الدلالية