كلمتان لمن يهمه الأمر
من موقع مسؤولية الكلمة الصادقة، ومن موقع المسؤولية الوطنية، وبعد رحلة تاريخية طالت بين صحارى وقفار وثمار يانعات تساقطت سريعًا كأوراق الهشيم، لنجد معها أحلامًا كبيرة علّقنا عليها آمالًا عراضًا بصورة بلدٍ حاملٍ بأحشائه أحلامنا لدولة ننشدها، يتحقق بوجودها مشروعنا الحضاري؛ عناوينه وقواعده الاستقرار والنظام، لدولة قانون ومؤسسات تضمن حشدًا للموارد وتوزيعًا عادلًا لنتائج تنمية مستدامة. تلك كانت آمالًا عراضًا تهاوت، انهارت طيلة عقود من الزمن، دفعنا لها ثمنًا باهظًا دماءً وثروات.
وها نحن أمام فرصة، فرصة تاريخية جديدة. إنها فرصتنا الأخيرة، فهل نحسن اقتناصها؟ وعبر ما يجري في الرياض من عناوين نأمل أن تتحول إلى مشاريع لبناء وطن موحد لا تتنازعه الأهواء، وهل يمثل تشكيل الحكومة الجديدة وبرنامجها المعلن مؤخرًا خلال تواجدها بالعاصمة عدن خطوة في الاتجاه الصحيح؟
وهل ستتمكن فعلًا من تجاوز واجتياز كافة العقبات والصعوبات على الأرض، أخذًا بعين الاعتبار الإشارات التي سبق التأكيد عليها، ومن بينها حديث الأخ نائب وزير الخارجية مصطفى نعمان عن عدم استقرار الأمن بالعاصمة عدن، وإشارته إلى أن ثمة ملامح على الأرض تشير إلى أن معضلة استقرار الأمن لها متطلبات تتجاوز التهوين والتبسيط؟ فالبلد خارج من أتون أزمة ذات أبعاد متعددة، ما تزال ذيولها على الأرض تبعث نيرانًا وجحيمًا، وما التحرك الفوضوي المجاهر بالتحدي لسلطة الشرعية بعقر دارها إلا كذاك الذي يقول للشرعية: امطري حيث شئتِ فخراجك عندي.
إن ما تم من عبث وتحدٍّ وإقلاق لأمن المدينة العاصمة عدن يضع أسئلة مصيرية لها علاقة بما يجري ويدور بكل من الرياض وأبوظبي، خاصة بعد زيارة الموفد الصهيوني الأمريكي Lindsey Graham للإمارات، وبعدها للرياض. فالزيارة ومن قام بها وتوقيتها، مع ما حدث من تحرك يمثل تحديًا، كما أنه يمثل متغيرًا يحتاج لرؤية تضع النقاط على الحروف، تتمثل بـ:
1- ضمن أي ضمانات ميدانية مؤكدة ستؤمَّن خطوات حكومة الأخ شائع لإنفاذ برنامجه الطموح الذي نؤيده ونأمل نجاحه؟ لكن الأمر ليس هيّنًا، ويحتاج إلى ضمانات، أولها أمنية، وليس آخرها مباشرة خطوات عملية على مستوى السياسة والاقتصاد بالمعنى الأعمق والأشمل للكلمتين. ونختم بالقول، التأكيد على ما يلي:
2- عودة كاملة لمجلس الرئاسة، بمقدمهم تواجد الأخ رئيس المجلس شخصيًا، له دلالاته ومعانيه السياسية والوطنية.
3- عودة كل منتسبي السلطة، تحت أي اسم، إلى الداخل دون أي تلكؤ.
4- بات من الضرورة بمكان أن تتضح معالم ذات مدلولات مؤكدة بشأن مجريات الحوار الجنوبي–الجنوبي، فالأمر يكتنفه غموض ما، ولم تتضح حتى الآن ملامح التوافق على تشكيل لجنة تحضيرية يُعهد لها بمهمة تاريخية تتعلق بإعداد الوثائق الكلية لحل القضية الجنوبية بآفاقها المختلفة. وهذه الآفاق لن تتحقق ما لم يتأكد بشكل ملموس، إن لم تشهد الساحة السياسية، تحقق أمور ذات بعد استراتيجي، جوهرها ما يلي:
1- توافقات جنوبية شاملة بعيدًا عن التخوين، وبعيدًا عن احتكار التمثيل أو محاولات الإقصاء التي أدت إلى ما نحن فيه. والأمر ينطبق أيضًا على واقع السياسة المتشظية تفتتًا شمالًا.
2- يتطلب الأمر أن يُتاح لكل عقلاء الجنوب الإسهام، تمامًا كما ينبغي تواجد متكافئ لكافة المحافظات، خاصة محافظة عدن.
والأمر مرتبط تمام الارتباط بالكيفية التي سيتم من خلالها معالجة الملف الوطني. أمور ذات بعد استراتيجي، دون حلها لا حل. ما نقصده يتعلق بما يدور في كواليس السياسة وطنيًا وإقليميًا عبر التحالف حاليًا مع الشقيقة السعودية، وما يكتنف الأمر من علاقات مصالح معقدة ومتضاربة مع باقي القوى المهتمة والمتداخلة بملف الأزمة اليمنية، عدا ذلك من أمور تتعلق بجلاء الصورة وآفاق استعادة الدولة على ضوء ما يجري من ماراثون الصراع حول النووي الإيراني، وما يرتبط به من تسويات وملفات لمصالح إقليمية ودولية، كلها تؤثر لا شك على مآلات حل أزمة بلادنا التي نأمل كثيرًا أن تكون الأمور قد وصلت بشأنها إلى محطتها الأخيرة، والتي كان أحد عناوينها عودة الحكومة إلى عدن وبروز ما يشير إلى أن سيف التحديات ما زال مسلطًا على عنوان الاستقرار من عدمه.
نحن نعوّل على الاستقرار، وذلك أمر مردّه بيد كل من يهمه الاستقرار بمعناه الشامل سبيلًا لاستعادة الدولة الوطنية ذات السيادة غير المنقوصة.