الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • محمد المساح… أثر خفيف يثقل الذاكرة

محمد المساح… أثر خفيف يثقل الذاكرة

في النص الذي يكتبه محمد المساح تتقدم التفاصيل الصغيرة إلى الواجهة كأنها صاحبة الحق الأول في الحكي. طفل يعبر الطريق، امرأة توازن يومها بين رغيفين، عجوز يجر ظله إلى آخر النهار. هذه الكائنات اليومية تجد مكانها في سطر قصير مكثف يفتح فجأة على معنى أوسع من حجمه. في تلك المسافة الضيقة بين كلمة وأخرى كان المساح يبني عالمه.

محمد المساح

حمل قريته معه إلى القاهرة حين ذهب طالباً في كلية الآداب. في رابطة الطلبة اليمنيين بدا صوته مختلفاً يميل إلى كسر انتظام المشهد، يحرك المياه الساكنة بعبارة ساخرة أو موقف مفاجئ. في اعتصام السفارة أواخر الستينات أخذ التوتر شكلاً آخر بفضل حضوره، إذ نقل اللحظة من حافة الانفجار إلى مساحة أوسع من التعبير. أطلق عليه رفاقه لقب “باكونين” لأن فوضاه الظاهرة كانت تخفي انسجاماً عميقاً مع ما يراه واقعاً.

حين عاد، دخل الصحافة من بابها الأكثر التصاقاً بالحياة. في صحيفة “الثورة” ثم في “اليمن الجديد” و”الكلمة”، لم يكن يطارد الخبر بقدر ما كان يلاحق ما يتسرب من بين سطوره. تولّى مواقع قيادية مبكراً، لكن الكتابة عنده ظلّت فعلاً شخصياً، أقرب إلى حوار داخلي طويل مع العالم.

المساح  في سنوات الشباب

عموده “لحظة يا زمن” بدا كأنه مشروع عمر كامل. لحظة واحدة تكفي عنده لتكثيف زمن بكامله. يلتقط ما يمر عادة بلا انتباه، ثم يعيده في صيغة أخرى، تمنحه قيمة ومعنى. اللغة مقتصدة تميل إلى الجملة القصيرة، تلمّح أكثر مما تصرّح، وتفتح الباب أمام القارئ ليكمل ما بدأه الكاتب. النص عنده يقف على تخوم القصة والخاطرة والمقال، يرفض الانتماء إلى قالب جاهز.

في حياته اليومية كان قريباً من الناس إلى حد الذوبان فيهم. يتنقّل بين المقاهي والطرقات، يضحك بصوت عالٍ، يلتقط الوجوه ويحتفظ بها في ذاكرته كصور لا تمّحي. بساطته غير مصطنعة، إنها طريقة عيش كاملة.

بعد انقطاع الرواتب، أخذ يبتعد عن صخب المدن. غادر صنعاء التي لم تغادره يوماً، عاد إلى قريته واختار حياة أكثر تقشفاً. الأرض، الأغنام، والوقت البطيء، صارت جزءاً من يومه. ذلك الابتعاد بدا كأنه موقف مكتمل، احتجاج صامت على ما آلت إليه البلاد. لم يحتج إلى بيان، يكفي أن يغادر.

الحياة لم تهادنه. فقد ابنه في حرب تبتلع أسماء بلا أثر. تحول الفقد إلى نص، إلى مرثية تضع الحرب في مواجهة إنسان واحد يبحث عن أثر ابنه في الصحراء. في تلك الكتابة، يظهر المساح كما هو، أباً قبل أن يكون كاتباً، يواجه الغياب بالكلمات ويترك للحزن أن يقول ما لا يقال.

عاش على حافة العوز واحتفظ بكرامة صلبة. رحل بهدوء يشبه حياته في سنواتها الأخيرة. خبر موته مر سريعاً كما تمر الأخبار في زمن مثقل بالضجيج، لكن نصوصه بقيت تعمل بصمتها الخاص، تواصل مهمتها القديمة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تفاصيل الحياة.

المساح بعد ترك صنعاء والعودة لقريته

في زمن تغيرت فيه الوجوه سريعاً، حافظ على نبرة واحدة لا تعاند الزمن ولا تنساق معه. نبرة تعرف مكانها وتبقى فيه. هذا الثبات منح كتابته قدرة على البقاء، وجعل عموده مدرسة يومية لمن يريد أن يكتب دون ضجيج وأن يقول ما يلزم دون زيادة.

محمد المساح لم يكتب عن الزمن من موقع المراقب. كان جزءاً منه، يتقدم معه خطوة ويتأخر أخرى، ويحاول في كل مرة أن يمنحه شكلاً يمكن احتماله. في كل نص، كان يجرب أن يقول للوقت ما يكفي كي يُفهم دون أن يرفع صوته.

رحل وترك وراءه أرشيفاً من لحظات صغيرة، كل واحدة منها تحمل حياة كاملة. نصوص تُقرأ كأنها تُكتب الآن، لأن الإنسان الذي بداخلها ما زال كما هو. هكذا يبقى المساح أثراً خفيفاً في الشكل، ثقيلاً في الذاكرة، يمر على الصفحة كنسمة ويستقر في الرأس كفكرة لا تغادر.