بين عمّان والفنادق: من يفاوض ومن يشاهد؟
في الوقت الذي كانت فيه عمّان تستضيف جولة جديدة من الاجتماعات العسكرية بين الرياض وصنعاء، بدا المشهد اليمني وكأنه مسرح بلا بطل رسمي… أو بالأصح: بطل قرر أن يأخذ إجازة مفتوحة في أحد الفنادق الفاخرة، تاركًا بقية الشخصيات تتقاسم الأدوار وتكتب النهاية.

اجتماعات لجنة التنسيق العسكري لم تأتِ من فراغ، بل هي امتداد لمسار طويل من “خفض التصعيد” الذي يشبه إلى حد كبير تخفيض سعر سلعة انتهت صلاحيتها: الجميع يرحب، لكن لا أحد يسأل لماذا وصلنا إلى هنا أصلًا. الرياض تفاوض، وصنعاء تفاوض، والمبعوث الأممي ينظم اللقاءات… أما “الشرعية”، فتبدو وكأنها تنتظر دعوة رسمية للدخول إلى فيلم تم تصوير نصفه بدونها.
المفارقة الساخرة أن الطرف الذي يفترض أنه “صاحب القضية” أصبح أقرب إلى مشاهد VIP: مقعد مريح، تكييف ممتاز، ومتابعة مباشرة للأحداث… دون أي تدخل يُذكر. شرعية الفنادق لم تعد حتى تحاول إقناع الناس بأنها جزء من المعادلة؛ بل اكتفت بدور “التحليل بعد المباراة”، وكأنها قناة رياضية لا فريقًا داخل الملعب.
في عمّان، تُناقش خرائط الأمن، وتُرسم خطوط التهدئة، وتُبحث ترتيبات قد تحدد شكل اليمن القادم. وفي المقابل، هناك من لا يزال يناقش نوع القهوة الأنسب لاجتماع بلا جدول أعمال. الفارق هنا ليس سياسيًا فقط، بل نفسي أيضًا: طرف يتحرك تحت ضغط الواقع، وآخر يعيش في منطقة راحة مزمنة، حيث لا شيء مستعجل… حتى الوطن.
الأكثر إثارة للسخرية أن خطاب “الشرعية” لا يزال يتحدث بلغة السيادة والتمثيل، بينما الواقع يكتب سيناريو مختلفًا تمامًا: السيادة تُناقش بين خصمين مباشرين، والتمثيل يُعاد تعريفه على طاولة لا تحمل اسمها. وكأننا أمام حالة فريدة في العلوم السياسية: حكومة معترف بها دوليًا… لكنها خارج التغطية الميدانية.
الحوثي، بغض النظر عن الموقف منه، استطاع أن يفرض نفسه كرقم صعب في المعادلة، لا لأنه الأقوى أخلاقيًا أو سياسيًا، بل لأنه ببساطة “موجود” حيث تُصنع القرارات. والسعودية، من جانبها، تتعامل ببراغماتية واضحة: من يسيطر على الأرض يُفاوض. أما من يسيطر على بيانات التنديد… فله الله ووسائل الإعلام.
المشهد اليمني اليوم لا يعاني فقط من صراع أطراف، بل من غياب مركز ثقل حقيقي يمثل الدولة. وعندما يغيب هذا المركز، تتحول السياسة إلى مفاوضات ثنائية، والوطن إلى ملف يُدار من الخارج، والشعب إلى متفرج يدفع ثمن التذاكر من دمه ومعيشته.
الخلاصة المؤلمة والمضحكة في آن واحد: في زمن تُدار فيه الحروب بالمفاوضات، اختارت “الشرعية” أن تُدار بالمكيفات. وبينما تُرسم خرائط اليمن في عمّان، لا يزال البعض يرسم خطط العودة… من بوفيه الفندق إلى قاعة الاجتماعات.
وربما السؤال الأكثر واقعية الآن: هل ستلحق الشرعية بالمشهد قبل أن يُغلق الستار، أم ستكتفي بالتصفيق… على نهاية لم تُشارك في صناعتها؟
