صنعاء 19C امطار خفيفة

وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(3)

سُنّة تداول الأيام بين الناس

قال تعالى:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

آل عمران: 140

-------------------------------
1. الآية التي تكسر وهم الثبات
هذه الآية القصيرة تقوّض وهمًا عميقًا يسكن المجتمعات حين تطول فترات القوة أو الهزيمة..
وهم أن الحال سيبقى كما هو.
القرآن لا يقول: تتغير الأيام..
بل يقول: نُداولها..
أي أن هناك تداولًا مقصودًا، حركة محكومة بسنة، لا فوضى ولا صدفة.
ما من قوة أبدية..
وما من ضعف أبدي..
وما من نصر بلا امتحان..
ولا هزيمة بلا معنى.
-------------------------------
2. لماذا التداول سنة اجتماعية؟
لأن الإنسان إذا استقر على حال واحد:
• استبد إذا قوي.
• يئس إذا ضعف.
• تجبّر إذا انتصر.
• انهار إذا انهزم.
فجاء التداول ليكسر الغرور..
ويمنع تقديس اللحظة..
ويذكّر الجميع أن التاريخ ليس ملكًا لأحد.
التداول يعلّم:
• القوي التواضع.
• والضعيف الصبر.
• والمنتصر المسؤولية.
• والمهزوم المراجعة.
-------------------------------
3. متى يبدأ الانقلاب؟
القرآن يربط التداول بالسلوك، لا بالعدد ولا بالسلاح.
في سياق الآية نفسها يقول تعالى:
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾
أي أن الهزيمة أحيانًا:
• كشف للزيف.
• فرز للصفوف.
• تطهير للنيات.
• إعادة ترتيب للوعي.
ليست كل هزيمة نهاية..
بعض الهزائم بداية مؤجلة.
-------------------------------
4. أين نرى هذه السنة اليوم؟
نراها بوضوح في:
• إمبراطوريات سقطت بعد شعورها بالأمان المطلق.
• دول صعدت بعد أن ظُنّ أنها انتهت.
• أنظمة حكم لم تسقط بالسلاح بل بالتعفن الداخلي.
• مجتمعات كانت في الهامش ثم صارت في المركز.
والقرآن لا يحتفي بتداول القوة لذاته،
بل يحذّر من سوء إدارة النصر أكثر من الهزيمة.
-------------------------------
5. أخطر ما في النصر
النصر ليس خطرًا بحد ذاته..
الخطر في ما بعد النصر.
حين:
• يتحول التفوق إلى استعلاء.
• والنجاح إلى إقصاء.
• والقوة إلى ظلم.
• والرسالة إلى مصلحة.
هنا يبدأ العدّ التنازلي،
حتى لو لم يظهر ذلك فورًا.
ولهذا قال تعالى في موضع آخر:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
ولم يقل: لا ينصرهم فورًا..
لأن السقوط له توقيته.
-------------------------------
6. ما الحل القرآني في زمن التداول؟
القرآن لا يدعونا إلى انتظار الدور،
بل إلى الاستعداد له.
الحل ليس في التمني،
بل في:
• بناء الإنسان قبل استعادة الموقع.
• إصلاح المعنى قبل استعادة السلطة.
• ضبط الأخلاق قبل امتلاك القوة.
ولهذا جاءت القاعدة المكملة:
﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾
آل عمران: 120
الصبر هنا ليس سكونًا..
والتقوى ليست انسحابًا..
بل وعي بالسنن وإدارة للزمن.
-------------------------------
7. رمضان وفهم التداول
رمضان يعلّمنا أن:
• النهار ليس دائمًا.
• ولا الجوع دائمًا.
• وفي لحظة الإفطار تعلم كيف تتبدل الأحوال.
هو تدريب عملي على فهم الزمن،
وعلى أن التداول حكمة.
ومن يفهم التداول لا يُصاب بالغرور حين ينتصر،
ولا بالتحطم حين يُهزم.
-------------------------------
خاتمة
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
ليست آية تعزية للمهزوم فقط..
بل إنذار للمنتصر أيضًا.
فمن فهمها:
• عمل دون استعجال.
• وصبر دون استسلام.
• وانتصر دون طغيان.
أما من نسيها..
فغالبًا ما يفاجَأ بسقوط لم يفهم أسبابه.
موعدنا غدا مع وقفة وآية أخرى

الكلمات الدلالية