رمضان من الصدقة إلى الكرامة
ليس من السهل الحديث عن رمضان خارج إطار التبجيل المعتاد. فالشهر في الوعي الجمعي العربي ليس مجرد زمن تعبدي، بل مساحة وجدانية واجتماعية شديدة الحساسية. غير أن حساسية الموضوع لا ينبغي أن تمنع مساءلة الطريقة التي نمارس بها قيمه، خصوصًا حين يتحول الموسم الروحي إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية وإعلامية مكتملة الأركان.
في الذاكرة الريفية القديمة، كان رمضان حدثًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد. يجتمع الناس في ديوان واحد، يتقاسمون الطعام والذكر والحكايات، ويجري التكافل بصمت يحفظ كرامة المحتاج وطمأنينة المعطي. لم يكن العطاء مشهدًا عامًا، بل ممارسة أخلاقية داخل نسيج اجتماعي متماسك، يعرف فيه الناس بعضهم بعضًا، وتُدار فيه الحاجة بقدر كبير من الحياء الجمعي.
اليوم تغيّر السياق.
أصبح رمضان، إلى جانب رمزيته الدينية، موسمًا اقتصاديًا وإعلاميًا ضخمًا. تتضاعف الحملات الإعلانية، ترتفع نسب المشاهدة، تتكاثر المبادرات الخيرية، وتُضخ ملايين في صورة سلال غذائية وموائد إفطار جماعية. لا يمكن التقليل من أهمية هذا الجهد في التخفيف الفوري من معاناة الفقراء، لكن المقاربة السائدة تكشف عن خلل بنيوي أعمق: هيمنة ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الصدقة" على حساب "هندسة الكرامة".
اقتصاد الصدقة يقوم على الاستجابة السريعة للحاجة: إطعام، كساء، إعانة نقدية عاجلة. وهو ضروري في لحظات الأزمات، لكنه يصبح محدود الأثر حين يتحول إلى النمط الوحيد للتدخل الاجتماعي. فالمعونة الموسمية، مهما حسنت نواياها، لا تعالج جذور الفقر، بل تديره.
في المقابل، تقوم هندسة الكرامة على رؤية طويلة الأمد: الاستثمار في التعليم، التدريب المهني، الرعاية الصحية المستدامة، تمويل المشاريع الصغيرة، وبناء مؤسسات قادرة على تمكين الفرد لا إبقائه في دائرة التلقي. إنها انتقال من منطق الإحسان اللحظي إلى منطق العدالة التنموية.
تجارب العمل الخيري في دول صناعية مثل ألمانيا والولايات المتحدة تُظهر بوضوح هذا التحول. جزء معتبر من التمويل الخيري هناك يتجه إلى الجامعات، مراكز البحث، المستشفيات، برامج المنح الدراسية، وحاضنات الأعمال. الفلسفة الحاكمة ليست "كيف نُطعم؟" بل "كيف نُمكّن؟". ليس الهدف إطفاء الحريق فقط، بل منع اندلاعه من جديد.
الفارق هنا ليس دينيًا أو حضاريًا بقدر ما هو مؤسسي وإداري. في كثير من المجتمعات العربية، ما يزال العمل الخيري محكومًا برد الفعل، ومربوطًا بالمواسم الدينية، وفي مقدمتها رمضان. يرتفع منسوب التدين الاجتماعي في الشهر، فتزداد التبرعات، وتتوسع المبادرات، ثم ينخفض الإيقاع بانخفاض الزخم الروحي والإعلامي.
هذه الموسمية تطرح سؤالًا إشكاليًا: هل نمارس التكافل باعتباره قيمة مستدامة أم حالة وجدانية عابرة؟
الأخطر من ذلك أن بعض الممارسات تضع الكرامة الإنسانية على الهامش. تصوير المحتاجين أثناء تسلم المعونات، تحويل قصص الفقر إلى مادة تسويقية، تضخيم الحملات الإعلانية على حساب المصاريف التشغيلية الفعلية؛ كلها مؤشرات على أن الصورة أحيانًا تسبق الأثر.
رمضان، في جوهره، ليس مسرحًا عامًا للأخلاق، بل مختبرًا داخليًا لها. الصوم نفسه فعل غير مرئي، لا يطلع عليه أحد إلا صاحبه. ومن المفارقة أن يتحول شهر يقوم على السرّية الروحية إلى موسم للعلنية المفرطة في العطاء.
المسألة لا تتعلق بإدانة النوايا، بل بتطوير الرؤية. المجتمعات التي نجحت في تقليص الفقر لم تفعل ذلك عبر مواسم إحسان مكثفة، بل عبر سياسات ومؤسسات وبرامج طويلة النفس. العمل الخيري حين ينفصل عن التخطيط الاستراتيجي يصبح مكملًا رمزيًا، لا رافعة تنموية.
من هنا، يبدو من الضروري إعادة التفكير في فلسفة العطاء الرمضاني. ماذا لو تحولت نسبة معتبرة من التبرعات الموسمية إلى صناديق استثمار اجتماعي؟ ماذا لو خُصص جزء ثابت لبناء مدارس أو مراكز تدريب أو عيادات مستدامة في المناطق المهمشة؟ ماذا لو انتقلنا من توزيع السلال إلى تمويل سلاسل إنتاج صغيرة تخلق فرص عمل حقيقية؟
ليس المطلوب إلغاء المعونة العاجلة، بل إدماجها في إطار أوسع. فالفقر في منطقتنا ليس طارئًا، بل بنيوي. وهو مرتبط بتحديات التعليم، البطالة، ضعف البنية الصحية، وهشاشة الإدارة المحلية. ومعالجة ظاهرة بنيوية بأدوات موسمية تظل استجابة جزئية مهما تضخمت أرقامها.
يبقى رمضان فرصة ذهبية لإعادة شحن الضمير الجمعي. هذه الطاقة الروحية الهائلة يمكن أن تتحول إلى قوة تغيير حقيقية إذا أُحسن توجيهها. المشكلة ليست في الشهر، بل في حدود تصورنا له. هل نريده محطة عاطفية سنوية، أم منصة لإطلاق مشاريع طويلة الأمد؟
حين نعيد تعريف الأجر بوصفه أثرًا مستدامًا لا لحظة انفعال، وحين نفهم الثواب باعتباره تراكمًا تنمويًا لا دفعة موسمية، نكون قد اقتربنا من روح الشهر بدل الاكتفاء بمظهره.
رمضان ليس اختبارًا لقدرتنا على البكاء في صلاة التراويح، بل لقدرتنا على بناء واقع أكثر عدلًا بعد انتهائها.
وإن كان من سؤال يستحق أن يُطرح في ختام الشهر، فهو ليس: كم تبرعنا؟
بل: ماذا تغيّر فعلًا في حياة الناس؟
عندها فقط، يتحول العطاء من صدقة إلى مشروع،
ومن موسم إلى منهج،
ومن إحسان عابر إلى هندسة كرامة مستدامة