أبرهة.. الملك الذي هزمته الحكاية
في أرشيف الذاكرة العربية يقف أبرهة في زاوية معتمة، كملك سقط من لوحة التاريخ وبقيت ظلاله في الحكاية. النقوش المسندية اليمنية تقدمه بوجه مغاير. ملك يلقب نفسه ذا المنار يحكم من صنعاء ويقود جيوشاً ويشيد دور عبادة لرب السماء. السرديات اللاحقة تصوغه في هيئة غاز غامض يقود فيلاً نحو مكة. بين هاتين الصورتين تمتد مسافة طويلة تتحرك فيها السياسة والدين والمخيال الشعبي، حتى يصير الرجل نصاً قابلاً لإعادة الكتابة.
في نقش مرثد بن كرب يظهر أبرهة كحاكم فعلي لليمن في منتصف القرن السادس، يخرج بحملات إلى قلب الجزيرة لضبط طرق التجارة وإخماد التمردات. النص يفيض بلغة ملكية واثقة تتجلى في عبارات نصر للمظلومين وعبادة لرب السماء وعمران في الارض، وهي عبارات تعكس حاكماً يرى نفسه مؤتمناً على نظام اقليمي لا قائداً في غارة عابرة. المسيحية التي يحملها تنتمي إلى تيار المونوفيزية المنتشر بين الحبشة واليمن، مسيحية شرقية تتجاور مع تقاليد محلية وتتحرك في فضاء عربي واسع.

لقب "الأشرم" الذي التصق باسمه في كتب متأخرة يبدو كندبة لغوية أكثر منه وصفاً تاريخياً. النقوش المعاصرة تكتفي باسم الملك وألقابه الرسمية، بينما الذاكرة الشفوية تميل إلى اختراع شارة جسدية تختصر الخصومة في صورة. هكذا تتشكل صورة أبرهة في المخيال جسد مشقوق وجيش غريب ونية تهديمية، فالحكاية تحتاج علامة بصرية فتمنحها.
ثم تأتي قصة عام الفيل، أكثر مشاهد السرد العربي تماسكاً في الوجدان وأكثرها انفصالاً عن وثائق العصر. النقوش التي تؤرخ لحملات أبرهة تتحدث عن نجد واليمامة والقبائل الشمالية وتغيب فيها مكة والكعبة. زمن الحملة المروية يتباعد عن زمن الملك المعروف في النقوش، فينشأ فراغ زمني تتسلل إليه الأسطورة. الفيل نفسه يتحول إلى رمز لقوة مهيبة جاءت من الجنوب، صورة ضخمة تسير في الصحراء تثير الرهبة وتختصر فكرة الغزو في كائن واحد. الحكاية تكتمل حين تنزل الطيور وحين يتحول المرض أو الهزيمة أو الفشل إلى عقاب سماوي مصور بحجارة وسرب.
تقف صنعاء وكنيستها الكبرى "القليس" مشروع أبرهة المعماري والديني. مبنى ضخم بزخارف وأعمدة رخامية، يعلن أن اليمن مركز روحي قادر على منافسة مراكز الجزيرة. القليس تحمل اسمها من لفظ كنسي قديم، وتقدم نفسها كبيت للحج في جنوب جزيرة العرب. في عالم تتداخل فيه التجارة والقداسة، يغدو البناء بياناً سياسياً إذ تمر طرق القوافل هنا ويمكن للحج أن يقصد هذا الاتجاه، وتغدو المنافسة بين صنعاء ومكة شكلاً معمارياً قبل أن تصير رواية.
النقوش السبئية القديمة تلمح إلى مراكز حج أقدم في مأرب، معابد موسمية وطقوس نذر وقرابين. الذاكرة اليمنية تحتفظ بصورة كعبة جنوبية سابقة، مركز ديني عاش قبل تحولات التجارة والسياسة. مشروع أبرهة يبدو كاستعادة لدور قديم بلباس مسيحي جديد، أكثر منه تحدياً عابراً لمكة. غير أن المخيال الحجازي وهو يحرس مكانته، يعيد صياغة الحدث في قصة تهديد مباشر للكعبة، ثم في قصة نجاة إعجازية تحفظ لها مركزيتها.
شخصية عبدالمطلب تدخل الحكاية بوصفها شاهداً نبيلاً، شيخاً يقف أمام الملك الغازي ويترك البيت لحمايته الإلهية. السرد يمنح المشهد وقارا دراميا يجمع زعيما محليا وملكا اجنبيا وبيتا مقدسا وجملة قصيرة تلمع كحكمة. التاريخ الاجتماعي لمكة في القرن السادس يقدم صورة أكثر تواضعاً لزعامة قريش، شبكة نفوذ قبلي وتجاري تتوزع بين الأسر، وسقاية وحجابة تمنحان وجاهة. الحكاية تضخم الدور حتى يصير تمهيداً لرسالة قادمة وتمنح مكة قداسة سابقة على الإسلام.
في القرن السابع وما بعده تتسع الدولة الإسلامية وتتشابك مع سرديات كبرى، فيربط الأمويون شرعيتهم بتراث الشام وبيزنطة بينما يفتح العباسيون خزائن الفرس والهند. في هذا الاتساع تُعاد كتابة الذاكرة العربية الجنوبية من موقع المركز الجديد. ملوك حمير المسيحيون أو اليهود يتحولون إلى فصول تمهيدية في قصة أطول تقود إلى مكة. أبرهة بوصفه ملكاً يمنياً يجد نفسه في موضع الخصم الرمزي، فتتشكل صورته في قالب يناسب سردية الغلبة.
خلف هذه التحولات ترتسم لوحة جيوسياسية معقدة، حيث يلتقي محور بيزنطة والحبشة المسيحي المسيطر على البحر الأحمر مع ترقب الفرس الساسانيين من الشرق، وتتحرك القبائل العربية بين الولاءات، فيما يقف اليمن بوابة للتجارة. أبرهة يتحرك داخل هذه الشبكة كفاعل سياسي يبني الكنائس ويقود الحملات ويعقد التحالفات ويعلن نفسه ملكاً مستقلاً. العبارة التي يكررها في نقوشه "بنصر رب السماء" تحمل مرونة دينية يفهمها المسيحي واليهودي والحنفي، صيغة توحيدية تتلاءم مع فسيفساء اليمن الدينية.
مصير القليس يذوب في العصور اللاحقة، بقايا مدفونة في صنعاء القديمة، وذكر في كتب الجغرافيين والمؤرخين. المبنى الذي أراد أن يغير خريطة الحج يتحول إلى أثرٍ صامت، بينما تستمر الكعبة في مركزيتها المتصاعدة. التاريخ يحسم مراكزه وتحفظ الحكاية صورته الرمزية في ملك بنى كنيسة ليصرف العرب عن بيتهم فهلك جيشه بمعجزة، وهي صورة مكثفة سهلة التداول قوية التأثير.
إعادة الاعتبار لأبرهة تعني قراءة النقش إلى جانب الرواية، ووضع الملك في سياقه اليمني لا في إطار حكاية واحدة. رجل حكم بلداً معقداً وحمل ديناً شرقياً وبنى مشروعاً عمرانياً وسياسياً طموحاً وواجه ذاكرة لاحقة أعادت صياغته. في هذه القراءة يظهر أبرهة كملك حقيقي هزمته الحكاية ثم عاش فيها طويلاً خصماً أبدياً في قصة تأسيس، ومرآة تعكس كيف يصنع المنتصرون صور خصومهم.