صنعاء 19C امطار خفيفة

إعادة بناء فكرة الدولة أولًا قبل العمل على إعادة توزيع السلطة

لكي تنجح الحكومة في هذه المرحلة والمراحل القادمة، فهي بحاجة لأن تعمل على إعادة بناء فكرة الدولة قبل العمل على إعادة توزيع السلطة..


قد لا يكون أساس مشكلة اليمن في جماعة بعينها بقدر ما هي متجذّرة في خلل بنيوي أصاب فكرة الدولة ذاتها ومفهومها ووظيفتها، المشكلة لم تعد صراع أطراف داخل إطار وطني جامع، بل تحوّل الإطار نفسه إلى ساحة صراع وتقاسم نفوذ وهذه نتيجة طبيعية عندما تفقد الدولة حيادها، وتتحول من مظلة للمواطنة إلى أداة لفرض الهيمنة، وهنا يطرح السؤال الجوهري:
كيف نعمل على إعادة تعريف الدولة قبل أن العمل على توزيع السلطة؟
أي مشروع إنقاذ يعمل بآلية جادة لا بد أن يبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها كيانًا قانونيًا محايدًا، وليس امتدادًا لعقيدة ما، ولا تجسيدًا لهوية فرعية أو منصة لصفقات سياسية ظرفية، الدولة الحديثة لا تُعرف بمن يحكم فيها، إنما بالقواعد التي تضبط الحكم في مؤسساتها، وحين تُستعاد المواطنة باعتبارها أساس العلاقة بين الفرد والمؤسسة يتراجع تلقائيًا منطق الامتيازات والهويات المغلقة، وهذا ما نحتاجه وما يجب أن نتوصل إليه.
وإذا بحثنا عن مدخل لذلك، فالبداية الاستراتيجية تمر عبر إعادة بناء مؤسسات السيادة على قاعدة مهنية صلبة، ويأتي الأمن والجيش على رأس قائمة هذه المؤسسات، فليس من الممكن لدولة أن تستقر إذا كانت أدوات احتكار القوة موزعة بين ولاءات أيديولوجية أو مذهبية ومناطقية، الحياد المؤسسي ليس شعارًا إداريًا، إنما هو شرط وجود للدولة، ويقتضي ذلك فصلًا واضحًا بين النشاط الدعوي أو الحزبي وبين العمل السيادي، بحيث لا تختلط وظيفة حماية الوطن المقدسة بوظيفة الترويج لفكرة أو تيار معين، كما أن الرقابة البرلمانية والقضائية على قرارات التعيين والتمكين ليست مجرد عارض ديمقراطي، بل هي صمام أمان ضد إعادة إنتاج الولاءات المزدوجة.
لا ننسى أيضًا أن إصلاح البنية الأمنية وحده لا يكفي ما لم يواكبه بناء كتلة مدنية وطنية عابرة ومقاومة للاستقطاب، فالقوى المؤمنة بالدولة الحديثة إن بقيت متفرقة ومتصارعة فهي تسهّل -من حيث لا تدري- تمرير مشاريع التمكين المتطرف، والتنسيق بين هذه القوى ليس تحالفًا أيديولوجيًا، إنما هو اتفاق على قواعد مشتركة لإدارة الخلاف، فالدولة لا تُبنى بإلغاء التعدد، بل بتنظيمه ضمن عقد سياسي واضح.
وفي العمق لا يمكن فصل أزمة الدولة عن البيئة الاقتصادية التي تغذيها.. الفقر وانهيار الخدمات وتفكك شبكات الحماية الاجتماعية تخلق فراغًا تملؤه الأيديولوجيات المغلقة بمشاريعها التي تخدمها، وحين يصبح الولاء مصدرًا للدخل، تتحول السياسة إلى سوق مفتوح، ويتحول الانتماء إلى سلعة رخيصة، لذلك فإن أي مشروع دولة مدنية لن يصمد دون معالجة معيشية حقيقية تعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج، وتمنح المواطن شعورًا بالأمان خارج منظومات الرعاية الفئوية أو الحزبية.
إلى جانب ذلك.. يحتاج المجال العام إلى خطاب وطني عقلاني موحد لا يقوم على الشيطنة ولا على الإقصاء، فمواجهة التطرف لا تكون بتطرف مضاد، بل بإعلاء لغة القانون والدستور، فكلما ارتفعت نبرة التخوين انخفضت مساحة الدولة وضعفت الدولة وأدواتها.
ويبقى العامل الخارجي حاضرًا بقوة في المشهد اليمني، غير أن التدخل الخارجي لا يتمدد إلا حين تضعف الشرعية الداخلية، فالدولة التي تستند إلى ثقة مواطنيها، وإلى مؤسسات فاعلة تقل قابليتها للاختراق، أما الدولة التي تُدار بمنطق الصفقات والترضيات فإنها تفتح أبوابها للوصاية من حيث تدّعي الاستقلال، ومن هنا تأتي أهمية مناهضة الارتهان للخارج، والتي تبدأ من إعادة بناء روابط الثقة في الداخل، وهذا لن يتحقق إلا تحت ظل دولة تفرض سيادتها في الداخل قبل الخارج، ويكون المواطن هو أولى أولوياتها.
إذن، الحل في ملف اليمن وبناء على ما أثبتته مراحل وتجارب سابقة، لا يكمن في إقصاء وتهميش طرف بآخر، ولا بصراع الهيمنة الذي يحدث، بل في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة ذاتها ككيان محايد تحكمه القواعد وليس الأشخاص.
المعركة طويلة بلا شك، لكنها تبدأ من وعي عام يتجاوز الاصطفافات الضيقة، ويطالب بدولة قانون ومؤسسات ومواطنة لا امتيازات، عندها فقط يمكن الحديث عن انتقال حقيقي من ساحة صراع إلى إطار جامع، ومن دولة متنازَع عليها إلى دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون.

الكلمات الدلالية