أمهات في مواجهة الزنازين
أمة السلام الحاج تكشف واقع السجون والانتهاكات
في بلدٍ أنهكته الحرب وتنازعته السلطات، بقيت الأمهات وحدهنّ يحملن خيط الحقيقة الرفيع، ويطرزن أسماء أبنائهن على جدار الصبر كل صباح. في اليمن، لا تُقاس المآسي بعدد المعارك، بل بعدد الأمهات اللواتي ينتظرن خلف أبواب السجون خبراً، زيارة، أو حتى إشارة حياة.
في الحلقة الثانية من برنامج حكايتي، نقترب من واحدة من أكثر القضايا وجعًا وإلحاحًا: ملف المختطفين والمخفيين قسرًا. قضيةٌ لم تعد شأنًا سياسيًا عابرًا، بل امتحانًا يوميًا لضمير الدولة، ولمدى قدرتها على حماية مواطنيها وصون كرامتهم. بين زنازين مغلقة، وأسرٍ تتآكلها الانتظارات، وأطفالٍ يكبرون بعيدًا عن آبائهم، يتشكّل سؤال العدالة والسلام بمعناه الإنساني العميق.
تحاور الزميلة رحمة حجيرة، الأستاذة أمة السلام الحاج، رئيسة رابطة أمهات المختطفين، لتضع أمام الرأي العام رواية الأمهات كما هي، بلا شعارات، بلا اصطفاف، وبلا مساومات. تتحدث أمة السلام عن دموع الأمهات ووجعهن اليومي، وعن تحديات الداخل حيث لا تزال السجون ممتلئة والانتظار أطول من الأعمار.
تقدم شهادة على الألم، ومحاولة لإعادة تعريف السلام باعتباره قدرة الدولة على كشف مصير كل محتجز، وإقرار العدالة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة حتى لا تتكرر المأساة. هنا، تتقدم كرامة الإنسان على كل الحسابات، ويصبح السؤال بسيطًا ومباشرًا: هل يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي وأمهات اليمن ما زلن ينتظرن؟
"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

- رحمة: مساء الخير. كلُّ حربٍ تبتلع الأسماء، وهذه المرة تعيد الأسماء إلى أصحابها. تطرق أبواب جميع الأطراف بلا استثناء؛ لأن الأمومة لا تُحاصر بخط تماس.
اليوم نستضيف امرأة قررت أن تقيس السلام بميزان مختلف: كم أمٍّ أوقفت دمعتها؟ كم طفلٍ نام بلا قلق؟ وكم سجنٍ فتح أبوابه للقانون؟
مشروعها يبدأ من سجونٍ معتمة وينتهي بدولةٍ تعرف نفسها بقدرتها على حماية أضعف الناس. لا تبحث عن انتصارٍ لطرف، بل عن انتصارٍ لكرامة الإنسان.
في هذه الحلقة نسأل أمة السلام الحاج: كيف تصبح الحقيقة حقًا يوميًا بالنسبة لها ولرابطتها؟ وكيف تتحول العدالة الانتقالية إلى جسورٍ لا محاكم انتقامية؟
سنسير خطوةً خطوة نحو معيارٍ بسيطٍ للدولة: ما هو سجل المحتجزين؟ رقابةٌ مستقلة، دعمٌ لهؤلاء المختطفين بعد خروجهم، وتأهيلهم نفسيًا.
مشاهدينا، رحّبوا معي مجددًا بالأستاذة أمة السلام الحاج في الحلقة الثانية من برنامج "حكايتي".
أستاذة أمة السلام، في الحلقة السابقة تحدثنا عن أداء الرابطة وخلاصة المشاريع التي قامت بها في صنعاء دفاعًا عن المختطفين والمخفيين قسرًا. الآن لديك جائزة دولية، فهل هذه الجائزة شكّلت إضافة نوعية لكِ وللرابطة في اليمن، أو على الأقل أمام الأطراف السياسية مثل الحوثيين والحكومة الشرعية والمجتمع الدولي؟
أمة السلام الحاج: هذه الجائزة كانت جائزة معنوية أُعطيت لنا كأمهات وكرابطة، كمناصرةٍ لنا باعتبارنا حاملات هذه القضية.
أما تفعيلها، ففي الخارج هي معترف بها لما لها من دورٍ وصوت، ولكن في الداخل، سواء حصلنا على جائزة أم لم نحصل، لا يزال الوضع كما هو: أبناؤنا داخل السجون، ولا زلنا نلاحق قضاياهم.
أما جماعة الحوثيين فهي لا تكترث بذلك، بل قالت إننا أخذنا الجائزة من الجهات المعادية، وهذا زاد الطين بلّة.
أما في الشرعية، فإلى الآن لم نستطع أن نقابلهم مقابلةً شخصية، وننتظر أن يقابلونا؛ لأننا نراسلهم كما نراسل من هم في الخارج، كونهم ليسوا موجودين في اليمن، وإنما يأتون لزيارات متعددة مزدحمة، ولهذا لا نستطيع الوصول إليهم أو تحديد موعدٍ معهم. هذا بالنسبة لهذا الموضوع.

- رحمة: ولكن هذا قد يمكنكم من دعم المشاريع التي تسعون لها داخل الرابطة، لكي تساعدكم من أجل الإفراج عن المعتقلين والمختطفين وتأهيلهم نفسيًا وتمكينهم اقتصاديًا؛ لأن هذه لا تتم إلا بمشاريع من منظمات دولية، وهذه الجائزة من المؤكد أنها ستخدمك.
أمة السلام الحاج: لا شك في ذلك، أن الجائزة أعطتنا فرصة، حيث تواصلت معنا بعض المنظمات. ولكن المانحين لديهم أحيانًا شروط معقدة، قد ربما كرابطة لم نصل إليها، منها اشتراط تنفيذ مشاريع مسبقة كمنظمة وبمبالغ باهظة، حتى يثقوا ويسلموك مشروعًا ويتأكدوا من أنك ستستطيعين إعداد الميزانية المالية والتنفيذ.
ونحن في الرابطة اليوم أسسنا الرابطة، وأهلنا أمورنا، وعملنا سياساتنا، وأصبحنا مستعدين لاستقدام اي دعم من أعلى المستويات. ولكن هل سيقبلوننا هم؟ هنا تأتي المفارقة. لكننا سنقدم وسنسعى، وإن شاء الله سيكون خير بالنسبة لهذه القضية.
- رحمة: دعينا ننتقل إلى دور الإعلام خلال السنوات التسع منذ تأسيس الرابطة. هل كان دوره إيجابيًا أم سلبيًا؟ وهل ساند مشاريعكم أم اعاق أعمالكم بالانتقاد والفلسفة؟
أمة السلام الحاج: أنا أشكر الإعلام والإعلاميين شكرًا خاصًا، حتى الذين لم يناصرونا؛ لأنه سيأتي يوم ويناصرون قضيتنا. أما جميع من نتواصل معهم وقابلناهم أو يزوروننا ويحتكون بنا، فهم يعطون هذه القضية حقها ويعملون على مناصرتها، سواء بإبرازها في البرامج أو النشرات وغيرها.
وللإعلام الدور الأساسي والرئيسي الذي أبرز قضيتنا، ونحن في الرابطة نهتم كثيرًا بموضوع الإعلام؛ ولهذا ننشر سريعًا ونوصل رسالتنا إلى مختلف الجهات والإعلاميين حتى ينشروا هذه الرسالة. نقدم لهم مادةً جاهزة يعملون على ضوئها، ويكون التفاعل كبيرًا جدًا.
- رحمة: من الجميل جدًا أن الإعلام يقوم بدوره، والآن دعينا ننتقل إلى الأحزاب السياسية الذين هم سبب في البلاء كله. كل حزب يعتقل كوادر الحزب الآخر، وكل حزب أيضًا كوادره معتقلة لدى الحزب الآخر. فإلى أي مدى هذه الأحزاب متعاونة معكم؟ وهل هناك سلاسة في التعامل مع هذه الأحزاب.
أمة السلام الحاج: بالنسبة للأحزاب، هم عملهم سياسي ولديهم جانب اجتماعي، ونحن نحتك بالمحتجزين داخل السجون، وهم من جميع الأحزاب. ولذلك نتواصل مع الأحزاب أنه لا بد من دعم أبنائهم في السجون وأخذ هذه القضية بعين الاعتبار. بعض الأحزاب تستجيب، والبعض الآخر في إطار الاستجابة.

- رحمة: رائع جدًا. ويبقى الأمل الوحيد الذي يمكن التعويل عليه هو العمل المجتمعي المنظم. فما مدى تعاملكم مع منظمات المجتمع المدني التي تعمل في المجال نفسه، خصوصًا الكيانات النسوية أو المرتبطة بحقوق الإنسان؟ وإلى أي مدى أنتم مشبكون معهم بصورة جيدة؟ وأقصد أن يوجد تنسيق فيما بينكم؟
أمة السلام الحاج: في هذه القضية نحن مشبكون مع الجميع، لدينا تشبيك مع روابط الضحايا، جميعنا في شبكة واحدة، وشبكنا أيضًا مع العدالة الانتقالية، والعدالة الانتقالية من أجل اليمن، ومع التضامن النسوي والتوافق النسوي. ونحن منسقون معهم من أجل تحقيق هذه القضية والعمل مع مختلف الجهات فيما يتعلق بقضية المختطفين، ويكون هناك تفاهمات وتعاون كبير فيما بيننا.
- رحمة: لا بد أن لديكم رؤية مستقبلية لخمس سنوات، وربما لعشر سنوات، وغالبًا تقوم هذه الرؤية على ثلاثة أهداف رئيسية تسعى الرابطة لتحقيقها. فهل يمكن أن نعرف أبرز ثلاثة أهداف تتصدر خطتكم المستقبلية في الرابطة؟
أمة السلام الحاج: أول هدف هو الذي بُنيت عليه الرابطة، وهو إخراج أبنائنا من داخل السجون وتبييض هذه السجون بحيث لا يُعاد إليها المختطفون.
النقطة الثانية: الاهتمام بالمفرج عنهم وتأهيلهم في الجانب النفسي والتمكين الاقتصادي، وكذلك المتابعة القانونية لقضايا المفرج عنهم والمختطفين الذين تم الاعتداء عليهم وانتهاك حقوقهم، وأن يكون هناك عدالة لهؤلاء المختطفين، وعمل ملفات خاصة بهذه الفئات بحيث يكون هناك استعداد للمساءلة ومتابعة قضيتهم، والقضايا الجنائية تحديدًا.

ونحن نؤكد أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام أو اتفاقات دون أن تكون هناك ذاكرة حقوقية ووجود كشوفات واستمارات توثق حالات المختطفين ونحن نعمل من أجل حفظ الذاكرة، سواء للآن أو للمستقبل، كما نعمل أيضًا من أجل تخليد الذاكرة حتى لا تُعاد مثل هذه الانتهاكات والمآسي مرة أخرى، وأن ينعم الجميع بالسلام.
- رحمة: إلى أي مدى تضمنون موثوقية المعلومات، وتستطيعون التمييز بين المعلومات الكاذبة والمعلومات الصحيحة داخل الرابطة؟
أمة السلام الحاج: نحن، كما يلاحظ الجميع، دائمًا عندما نصدر بيانًا نكون آخر من يصدر بيانًا. مثلًا، إذا تعرض أحد للاختطاف أو الانتهاك، نكون آخر من يصدر بيانًا لأننا نتثبت: هل ما يصدره الإعلام حقيقي أم لا؟ ونسعى إلى أن نصل إلى أحد أفراد الذي تم اعتقاله حتى نتأكد من قضية الاعتقال أو الاختطاف وكيف تم التعامل معه. لا بد أن نتثبت لمثل هذه القضية ونتحقق بشكل كامل.
لدينا استمارة نقوم بتعبئتها، وهناك ما يسمى بالموافقة المستنيرة، ونستخدم هذه البيانات بما ينفع ويخدم هذا المختطف وتقديمها للجهات المختلفة.
والنقطة الأخرى أننا لا نقبل أي استمارة توثيق إلا بتوقيع الشهود والأسرة والبطائق الشخصية، بحيث نتثبت بشكل كامل وحتى تكون هناك مصداقية. ولهذا وصلنا اليوم إلى ما وصلنا إليه رغم ان اعدادنا قليلة، نعم لأننا لا نصدر بيانًا إلا إذا كان لدينا عدد موثق وحقيقي. أما الرصد الإعلامي فهو كثير، ونحن نرصد، ولكن التثبت والتيقن لا بد منهما من أجل إظهار الحقيقة.
- رحمة: ما هي أبرز ثلاثة عوائق تشريعية أو قانونية أو قضائية عطلت عملكم خلال السنوات التسع الماضية؟ ومن المهم أن نعرفها حتى نطالب بتعديلات حولها؟
أمة السلام الحاج: نحن كرابطة، عندما نوثق الحالات ونريد رفع قضية أو نصل إلى المحاكم، لا يتم التعامل معها. وقبل فترة رفعنا كشفًا متكاملًا بالمختطفين إلى النائب العام، وهو أرسله إلى لجنة التحقيق في ادعاءات حقوق الإنسان لأنها اللجنة المعترف بها، ولا بد أن تتخذ الإجراءات من قبلها. أما نحن كمنظمات، فلا يخولنا القانون كرابطة أن نتوكل عن هذه الأطراف ونرفع قضية في المحكمة.

الشيء الآخر: أن بلادنا لم تصادق على اتفاقية الاختفاء القسري، وهذه معرقلة بالنسبة للقوانين الدولية، وأيضًا لم يُعمل قانون محلي لهذه الإجراءات، وبالتالي فهي تحتاج إلى مناصرة واجتماع مجلس النواب لإقرار هذه القوانين، ويحتاج الأمر إلى عمل كبير في مجال القانون وهذا يحتاج الى سنوات.
كذلك لا توجد محكمة مختصة بانتهاكات حقوق الإنسان، ونحن نطالب بأن تكون هناك محكمة خاصة بانتهاكات حقوق الإنسان، لأنه مثلًا توجد محكمة للصحفيين وغيرها، ولكن لحقوق الإنسان لا توجد محكمة.
- رحمة: يبدو أن أصل المشكلة في العوائق التشريعية هو أن اليمنيين لم يتفقوا حتى الآن على مسألة العدالة: عدالة انتقالية أم عدالة تصالحية؟ وقد وقع انقلاب الحوثيين قبل التوقيع على مشروع العدالة الانتقالية والعدالة التصالحية. بحكم خبرتك الطويلة في النضال من أجل حقوق الإنسان، وبخاصة قضايا المختطفين، أيهما تفضلين: العدالة الانتقالية أم العدالة التصالحية؟ ولماذا؟ حتى تتضح الصورة للمشاهدين.
أمة السلام الحاج: أنا أفضل العدالة الانتقالية؛ لأنها أكمل وأشمل من العدالة التصالحية. فيها إصلاح مؤسسات، وجبر ضرر، واعترافات، ومساءلة المنتهكين، وكشف الحقيقة. هذه جميعها لا تتوافر - أو لا يتوافر بعضها- في العدالة التصالحية. نحن نريد إنصاف الضحايا وجبر ضررهم، ولكن في العدالة التصالحية أحيانًا تتصالح الأطراف السياسية الكبيرة، ويظل الضحايا على ما هم عليه، وهذا يجعل بلادنا دائمًا داخل دوامة الصراعات المستمرة.
- رحمة: لكن الأمم المتحدة والمركز الدولي للعدالة الانتقالية كانوا قد اتفقوا على أن بعض الدول يناسبها الطريق الثالث، الذي قد يسمى عدالة تصالحية، كما حدث في جنوب أفريقيا. واليمن شهدت شكلًا من أشكال العدالة التصالحية بعد حرب الملكيين والجمهوريين. فلماذا تعتقدين أن العدالة التصالحية غير مناسبة في الوقت الحالي من وجهة نظرك؟
أمة السلام الحاج: اختلف المنتهكين للحقوق، والذي كان بالأمس ضحية أصبح اليوم جلادًا، والذي كان بالأمس جلادًا أصبح اليوم ضحية؛ لذلك يختلف الوضع في بلادنا تمامًا. والعدالة التصالحية السابقة التي حصلت لم تنصف الضحايا 100%. ولذلك نريد أن ننصف الضحايا. نحن نريد أولًا أن يلتقوا ليحققوا السلام، سواء عدالة انتقالية أو تصالحية، وعليهم أن يقرروا، وما يقرره الأطراف سيكون بعد ذلك. ولهذا نحن سنناصر قضية العدالة الانتقالية حتى تتحقق، إن شاء الله، ويُجبر الضرر، وتُخلَّد الذاكرة بحيث لا تُعاد تلك الانتهاكات مجددًا.
- رحمة: هناك من يقول إن السلام في اليمن بات قريبًا، خصوصًا بعد تحرك المبعوث الأممي وتحرك المجتمع الإقليمي، وأنه خلال أربعة إلى ستة أشهر سيجتمع الجميع. هل أنتِ متفائلة؟ وما الملف الذي ستقاتل من أجله أمة السلام الحاج ورابطة أمهات المختطفين بقوة؟
أمة السلام الحاج: أولًا أنا أتمنى، ولكن لا أتوقع أن يكون ذلك خلال الفترة القريبة؛ لأن المؤشرات من جهة الحوثي لا تبشر، ولا حتى من جهة الأطراف المتحكمة باليمن. ولكن بالنسبة لنا أهم قضية هي قضيتنا: قضية المختطفين، والإفراج عنهم، والاعتراف بحقوقهم، وتأهيلهم، ودعمهم نفسيًا، وجبر ضررهم، وجبر ضرر من خرجوا في السابق، وعمل ذاكرة حقوقية لهم أيضًا. ولا بد من جبر قلوب الأمهات؛ لأن السلام يبدأ من قلوب الأمهات.
- رحمة: إذا عُرض عليكِ أن تحددي أسماء 10 مختطفين سيتم الإفراج عنهم، هل يمكن أن تحددي من هم هؤلاء المختطفون؟
أمة السلام الحاج: الذين دخلوا أولًا، وأصبحت حالتهم الصحية متدهورة جدًا، وهم أكثر من عشرة. الآن نحن مستميتون من أجل أكثر من ثلاثمائة مختطف، وهم من أول الفترة داخل السجون، ويتمنى أهلهم رؤيتهم، وبالذات من أهلهم خارج صنعاء. وأنا أقاتل من أجل المختطفين جميعًا، وجميع المختطفين هم على عين واحدة، ولا يمكن أن نفضل أحدًا على الآخر. هؤلاء أبناؤنا وقد ظُلموا، ولا بد من إنصاف حقوقهم جميعًا.
- رحمة: ما هي الحالة أو الحالات التي شعرتِ أنها كسرت قلبك وأبكتك فعلًا، سواء بسبب التعذيب الذي تعرضوا له في السجن، أو أوضاع أسرهم: نساؤهم، أطفالهم، أمهاتهم؟
أمة السلام الحاج: الوضع مؤلم جدًا، وهذه الآلام متجددة. الأمهات وذووهم لديهم يأس من أي طرف من الأطراف أن يعمل لهم حلًا، وهذه مؤلمة جدًا. إحدى الأمهات كانت تتمنى أن تقابل ابنها وتموت، وماتت وهي لم تره. وكثير منهن ماتت. وخلال الشهرين الماضيين فقط توفيت ثلاث أمهات واثنان من الآباء، وأبناؤهم داخل السجون يموتون وهم مقهورون على أبنائهم.
إحدى الأمهات قالت: "ابني كان شابًا، والآن عندما أذهب لزيارته لم أعد أعرفه؛ لأنه كبر في السن، ولم أعد أعلم من هو ابني بين المساجين."
الأطفال يتمنون رؤية آبائهم ويقولون: "كنت أتمنى أن يخرج أبي ويراني وأنا متخرج من الثانوية." والذين تزوجوا وآباؤهم في السجون… هذه مآسٍ مستمرة توجع القلوب.
وأوجع ما يكون عندما يُقتل أحدهم تحت التعذيب. وعندما تم قصف سجن المخابرات في صنعاء في تلك الليلة، لم تنم جميع الأمهات؛ كن ينتظرن أن يخرج أبناؤهن جثثًا، لأنها قد حصلت أكثر من مرة بأن يخرج أبناؤهن جثثًا، كما حدث في ذمار والشرطة العسكرية في صنعاء. وفي ذلك اليوم، عندما ضُرب السجن، تخيلي ماذا قال المساجين لامهاتهم عندما ذهبن لرؤيتهم؟ قالوا ان الحوثيون قالوا لهم إن اليهود ضربوا السجن لانهم كانوا يريدون إخراجهم من داخل السجون!

وقال المعتقلون لأهلهم: "نحن شاهدنا الموت في تلك اللحظات، الزنازين اندفنت بالتراب، والحوثيون هربوا وتركونا خلف القضبان المغلقة، لا نستطيع الخروج من أي مكان." بعض المساجين كانوا يعطون مبلغًا ماليًا للحارس حتى يبلغ أهلهم جميعاً أنهم بخير ولم يحدث لهم شيء. هذا وضع المختطفين وأبنائنا داخل السجون، وأمهاتهم وذويهم خارج السجون.
- رحمة: وماذا عن الأطفال؟ هل هناك قصص من أبناء الضحايا يمكن أن تشاركيها معنا، قصص قد توقظ شعور الألم والندم لدى من لديه ذرة إحساس؟
أمة السلام الحاج: أبناؤهم.. تخيلي، قمنا بدراسة حول تأثير الاختطاف على هؤلاء الأبناء. لو أقول لكِ المآسي: هناك من يتبول لا إراديًا، أو يقضم أظافره، أو طفلة تضع قليلًا من العلاج وتخفي الباقي؛ لأن أمها غير قادرة على شراء غيره. هناك من حدث لهم توحد. عندما طُلب منهم أن يرسموا؟ قاموا برسم السجون.
تخيلي عيدهم: الأطفال يذهبون إلى الحديقة، وهؤلاء يذهبون إلى السجون لزيارة آبائهم. هذه المآسي كثيرة. في كثير من الوقفات التي كنا نقيمها، كان الأطفال يأخذون ملابسهم ويضعونها أمام باب السجن، ويقولون: "نحن لا نريد أن نرتدي ملابس جديدة ونعيد وآباؤنا في السجون." وفي الأخير، إذا فُتحت لهم الزيارة، يرتدون الملابس الجديدة ويعيدون مع آبائهم من خلف الشبك، لا يستطيعون أن يسلموا عليهم او يجلسوا معهم.

هذا بالنسبة للمختطفين، أما المخفيون قسرًا فحدث ولا حرج؛ ميت وغير ميت، وفي الأخير يُضغطوا على الأمهات أن يذهبن، لأنه لا يوجد في القوانين عندنا "مختفٍ قسريًا".
- رحمة: هذا يعني أنهم لا يطمئنون الأمهات عن أبنائهن، إذا كان حيًا أو ميتًا، ولا الأطفال؟ يعني تعذيب نفسي مقصود.
أمة السلام الحاج: الشيء الآخر، عندما يذهبون لاستلام معاشه، يقولون لهم: لا يوجد لدينا شيء اسمه مخفي، نحن لدينا ميت، أما مفقود فلا يوجد. وتخيلي، إلى هذه الدرجة حُرم من الحياة في السجلات وحرم منها وهو مخفي، وهذا يؤلم جداً.
- رحمة: سامحينا، لقد أوجعنا قلبك وقلوب المشاهدين، ولكن هذا غيض من فيض. هل تذكرين أصعب ثلاث حالات ممن خرجوا من السجن؟ كيف كانت حالتهم النفسية والاقتصادية والعقلية؟
أمة السلام الحاج: جميعهم يقولون: جميعنا الذين خرجنا من السجن لدينا حالة نفسية، حتى إنه لا توجد لدينا تصرفات سليمة في بعض الأحيان. والمؤلم أنهم يستخدمون معهم أنواعاً من التعذيب أحياناً تحرمهم الحياة الطبيعية. مثلاً، هناك تعذيب معين في سجن الحوبان، يقومون بإشعال موقد نار ويطلبون من المختطف أن يجلس على النار. هم يخرجون أشخاصاً محطمين ومتعبين، وفي الأخير يخرجون ولا يجدون مأوى ولا سكن، لا دولة تحتضنهم، يخرجون للمجهول. وكثير من الزوجات كنّ يقلن: قد كنتم داخل السجن كان الناس يرحموننا، أما الآن فلن يرحمنا أحد لأنكم موجودين. كثير منهم يعانون بشكل كبير جداً. لقد تم ضربهم في أماكن حساسة أفقدتهم كثيراً من رجولتهم، ويُضربون في أماكن أفقدتهم القوة والقدرة على العمل. هم يخرجون أشخاصاً لا يستطيعون النوم والباب مغلق. حالاتهم صعبة، ولا توجد إمكانية لنا كرابطة أن نستوعب هذا الكم الكبير منهم ونقوم بعمل دعم نفسي لهم. هناك من يخرج إلى عدن والحديدة ومأرب وتعز ومناطق نائية، كل شخص منهم يبحث عن مكان يضع نفسه فيه لأنه لا يوجد عمل، وبعضهم يتجند، وتظل المأساة ويظل الصراع مستمراً.
- رحمة: وماذا عن الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي؟ هل دعموا أسر المختطفين وخصصوا لهم مبالغ مالية شهرية؟ هل استوعبوا من تم الإفراج عنهم بتوفير رواتب أو وظائف؟ إلى أي مدى تعاونت الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي معكم في رابطة أمهات المختطفين؟
أمة السلام الحاج: عندما كان أحمد بن دغر رئيس الوزراء في تلك الفترة، وجّه لهم بمنحة مالية صُرفت مرتين فقط للمختطفين داخل السجون، فقط لا غير. وإذا كانت الحكومة لا تصرف رواتب الموظفين، فما بالك بهؤلاء؟ الحكومة متخلية عن الشعب وعن هؤلاء، ونحن سنظل نتابع وسنوصل هذا الصوت إلى كل المسؤولين في الحكومة الشرعية، أن هؤلاء أبناؤكم وأنتم مسؤولون عنهم أمام الله وأمام الناس والعالم والضمير الذي تحملونه.

- رحمة: وماذا عن المجتمع الدولي والسفارات بعد كل هذه الأحداث؟ ما هو موقفهم، خاصة بعد أن وصلت يد الحوثيين لموظفيهم المعتقلين في السجون وهم في الأخير يمنيون؟
أمة السلام الحاج: المنظمات الدولية كانت تسمعنا وتسمع كلامنا وتقول إنها تقف معنا، ولكن المنظمات كانت تتماهى مع الحوثيين، بصراحة. وقد اختطف الحوثيون أبناءنا في السفارة الأمريكية والمنظمات الدولية، والآن ارتفعت الوتيرة بشكل كبير جداً، وأُغلقت المنظمات الدولية في صنعاء والمناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي. ومع ذلك، لم يتم الإفراج أو المتابعة إلا للأجانب، أما اليمنيون فلم يتابعوهم بعد. وبحسب قولهم، قالوا إنهم سيتابعون، رغم أنهم تخلوا عن هؤلاء الناس وهم الذين وظفوهم. واليمني لم يعمل معهم إلا نتيجة الحاجة، وأنه وجد وظيفة محترمة في هذا المجتمع، وإذا به يُزجّ به في السجون. المبعوث الأممي يتابعهم وسيتابع بعد هؤلاء الموظفين، بينما يترك باقي المختطفين داخل السجون، وهذا هو الحاصل. ولذلك لم تفلح المنظمات الدولية في إخراج المختطفين من داخل السجون، وظل أبناؤنا داخل السجون يأنّون.
واليوم الحوثي يهدد المنظمات الدولية أنه سيحاكم موظفيهم، ويعني ذلك أنهم إذا حاكموهم سيتهمونهم بالتجسس وستصدر أحكام. ونحن نسأل الله أن يحفظ أبناءنا داخل السجون من كل سوء ومكروه حتى لا يُعدموهم، لأنه قد حصلت إعدامات كثيرة، كالذين اتهموهم بقتل الصماد وأعدموهم من أبناء الحديدة، وأعدموا من أبناء صعدة. الحوثي يتجرأ ويعمل الذي يريد دون رادع، ودون أن يقول له أحد: توقف.

- رحمة: هل لديك رسالة إلى كل الأطراف اليمنية وإلى الوساطات المحلية والوجهات الاجتماعية في اليمن حول ملف المختطفين والمختفين قسرياً؟
أمة السلام الحاج "باكية": رسالتي هي أن يرحموا أمهات وزوجات وأبناء المختطفين وذويهم. هؤلاء يمنيون مدنيون لم يشاركوا في حرب أو صراع ولم يفعلوا شيئاً. هم مظلومون داخل السجون ومتمسكون بمبادئهم، ولو كانوا يريدون أن يعملوا بما ليس في قلوبهم لانخرطوا وذهبوا مع الحوثيين، ما الذي يجبرهم؟ ولكنهم صامدون ومساندون ولا يرضون بالوضع الذي يجبرهم عليه الحوثي، وإنما معاندون لهذه الفئة التي تريد تعبيدهم. ناس احرار دخلوا السجون وسيخرجون منها أحراراً. تحمّلوا مسؤوليتكم، كونوا معهم، تابعوهم. وهناك القليل من الوسطاء يتابعون قضية المختطفين ويحاولون التوسط، ولكن الباب مغلق في قضية التبادل، ولا توجد أي إفراجات قادمة لأن الحوثيين والشرعية يتعنتون. ولكن نسأل الله أن يُخرجنا على خير.
- رحمة: لا بد أيضاً أن تبعثي برسالة إلى القيادات الحوثية والقائمين على السجون الحوثية. في النهاية هم بشر ويمنيون، وقد يكون لدى أحدهم مثلاً ذرة إحساس أو يخاف الله، فما هي رسالتك لهم بشأن المختطفين؟
أمة السلام الحاج: رسالتي لهم: المرأة التي حبست الهرة دخلت بسببها النار. قالوا: لماذا؟ قالوا: لأنها لم تتركها تأكل من حشاش الأرض ولم تطعمها. وأنتم تعلمون ماذا قال الله، وأنتم مسيرة قرآنية وتحبون الله عز وجل حسب ما تقولون. هؤلاء المختطفون المدنيون مظلومون، وهم معتقلون كل هذه السنين، ولو كانت قضية جنائية لتم الإفراج عنهم. هؤلاء أبناؤنا في السجون عندكم مأسورون، مظلومون، مجوّعون، لا يتلقون رعاية صحية، ولا يتعرضون للشمس، وهذا ظلم وحرام عليكم، حرام عليكم. من يمسك السجن نقول له: اليوم دنيا وبكرة آخرة. تخيّل عندما يحاسبك الله يوم القيامة وأنت تعذب هؤلاء، كل هؤلاء يكونون غرمائك، ما الذي ستقوله لربك؟ وماذا ستقول يوم القيامة؟ هذه رسالتي لهم، إن سمعوها فبها، وإن تعنتوا فهي عادتهم.
رحمة: الأستاذة أمة السلام الحاج، رئيسة رابطة أمهات المختطفين في اليمن من تعز، شكراً لك. أبكيناك وأبكيتنا، ولكن هذا اليمن. نتمنى لك التوفيق.
مشاهدينا، دموع الأستاذة أمة السلام غيض من فيض مما تعانيه اليمن ويعانيه اليمنيون. مئات الأطفال يتمنون رؤية آبائهم وذويهم المعتقلين في السجون، عشرات الشباب شابوا في السجون وضاع مستقبلهم، وعشرات المعتقلين ماتوا دون أن يعرف عنهم أحد شيئاً، وأمهاتهم وآباؤهم يتمنون فقط رؤيتهم أو الاطمئنان عليهم. اخجلوا قليلاً واتقوا الله، سواء الحوثيين أو الذين على الضفة الأخرى الذين يعبثون بالفساد كملف الإعاشة والسفريات والوكلاء، وهناك أسر تتمنى ريالاً واحداً. اتقوا الله في أنفسكم.
نلقاكم في حلقة أخرى مع ضيف جديد ووجع جديد.
- ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة (اضغط هنا)