صنعاء 19C امطار خفيفة

عبدالرحمن الغابري.. سيرة الضوء الذي وثّق اليمن

في «حكايتي» نواصل فتح دفاتر الذاكرة اليمنية، باعتبارها مادةً للمعنى والنجاة؛ فكل صورةٍ قديمة هي شهادة، وكل حكايةٍ صادقة هي إنقاذٌ لجزءٍ من اليمن من النسيان.

في هذه الحلقة تستضيف الزميلة رحمة حجيرة واحدًا من أبرز من حملوا اليمن على كتف العدسة، المصوّر عبدالرحمن الغابري، الذي لا يُقرأ تاريخه كسيرة فردية، بل كمسارٍ موازٍ لتحولات البلد منذ خمسينيات القرن الماضي.

من قريةٍ وادعة في ذمار وطفولةٍ محاطة بالطبيعة والمواسم، إلى مدرسة الأيتام في صنعاء حيث تشكّلت الملامح الأولى للانضباط والمعرفة، ثم إلى لحظةٍ فارقة حين تحوّل الراتب الأول إلى مسؤوليةٍ تجاه الأم والأسرة، وحين أصبحت الكاميرا أداةً لإمساك الزمن قبل أن يفلت.

يحكي الغابري عن الأب القاضي والفلاح، وعن الأم التي جمعت الريالين لتفتح لابنها باب التعليم، وعن شظايا الحرب التي خطفت إخوةً وأحبّة، وعن طريقٍ طويل قاده إلى التوجيه المعنوي، ثم إلى الدراسة والعمل خارج اليمن، وصولًا إلى بداياته المهنية وصلته المبكرة بكبار السياسيين والفاعلين في مرحلةٍ كانت الصورة فيها تُكتب بقدر ما تُلتقط.

هنا، نروي الحكاية لفهم كيف يصير الضوء مشروعًا، وكيف تتحول العدسة من مهنة إلى مسؤولية وطنية، توثق الناس والبلاد، وتحفظ ما يتآكل تحت ضغط الحرب وتبدّل الزمن.

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

عبدالرحمن الغابري

  • رحمة: مساء الخير. في «حكايتي»، البرنامج الذي وُلد كي يحفظ ذاكرة اليمن قبل أن تبتلعها النيران. حلقتنا اليوم ليست مجرد لقاء مع مصوّر، بل عودة إلى البداية الأولى للضوء؛ إلى قريةٍ في عتمة، في  مدينة ذمار، إلى طفلٍ دخل مدرسة الأيتام في صنعاء وخرج منها يحمل كاميرا بدلًا من دفتر، وذاكرةً بدلًا من جدار اليُتم. ضيفنا اليوم هو المصوّر الكبير عبدالرحمن الغابري؛ رجلًا لا نحتاج إلى تعريفه بقدر ما نحتاج أن نستعيد معه طفولته: أول صورة، أول ضوء، أول شعور بأن اليمن أكبر من جغرافية القرية وأوسع من جدار المدرسة. سنسير معه زمنيًا من 1956 وحتى عتبة أول معارضه وبدايته المهنية؛ لنفهم كيف ينشأ موثّق الذاكرة عادةً، وكيف تصبح العدسة قدرًا شخصيًا ومشروعًا وطنيًا في آنٍ واحد.
  • أستاذ عبدالرحمن، دعنا نبدأ بذاكرة المصوّر الذي حفظ ذاكرة اليمن من العتمة إلى العدسة، ونبدأ بالسؤال الأول واللقطة الأولى: متى كان تاريخ ميلادك بالضبط؟

الغابري: تاريخ ميلادي في 12 أغسطس 1956.

  • رحمة: وكيف عرفت أن تاريخ ميلادك كان في 12 من أغسطس في تلك الفترة؟

الغابري: لأنني قمت بمقارنته بالتاريخ الهجري، وكان والدي، رحمه الله، قد كتب في المصحف تاريخ ميلادي بالسنة الهجرية، فاستعنتُ بشخصٍ يقارب بين التاريخ الهجري والميلادي؛ لأنه كما تعلمين، التاريخ الهجري ينقص 15 يومًا من كل سنة، وعندها وصلتُ إلى هذه النتيجة.

  • رحمة: أين كان مكان ولادتك؟

الغابري: كان مكان ولادتي في قرية القشعي، عزلة الرَّصب، بيت الغابري، في قرية هادئة جدًا وجميلة، محاطة بالبُنّ والبَلَس والرمان وشجر اللوز، وهي أشبه بالغابة الصغيرة. هذه القرية في منتهى الجمال وممتلئة بالعصافير والطيور المتنوعة، منها الطيور المغردة وطيور اللوز. وكانت تتناوب العصافير بين الليل والنهار وتعطينا أنغامًا؛ وهكذا كانت موسيقانا الجميلة، هي العصافير التي تُطربنا بسنفونيتها المتواصلة.

محمية عتمة محافظة ذمار

  • رحمة: هذا يعني أنك خُلقت في بيئة مليئة بالجمال، وربما هذه تركت أثرها عليك مستقبلًا. دعنا الآن نسلّط الضوء على والدك ماذا كان يعمل؟

الغابري: أبي قاضٍ وحاكم شرعي، كان يعمل في القضاء، وكان يذهب من الحكومة إلى البيت، وهو فلاح. وفي وقت فراغه كان يذهب إلى الحقل ليعمل ويزرع.

  • رحمة: وما هي أبرز المحاصيل التي كان يزرعها الوالد، أم أنه كان يقوم بزراعة القات؟

الغابري: القات عندنا كان نادرًا، ولا يمضغه إلا البعض. كان أبي يقوم بزراعة الذرة الرفيعة والشامية وأشجار الفواكه والبَلَس والبُنّ. وكما أخبرتك، كانت قريتنا مليئة بهذه الأنواع من المحاصيل، وأيضًا الترنج الذي يشبه الليمون، وكذلك البرقوق كان موجودًا لدينا في القرية، وتحديدًا في بستاني. وقد ذكرت ذلك في إحدى الأيام أن لديّ حقلًا اسمه «رَفَد الترنجي»، و«رَفَد» تعني بالحميرية «حول»، وكان مليئًا بأشجار البرقوق والترنج واللوز والبَلَس، وهذا ورثته عن والدي.

  • رحمة: وماذا عن والدتك؟ ما اسمها الثلاثي؟

الغابري: لا تجعليني أبكي؛ فوالدتي العظيمة اسمها فاطمة محمد عليب، هي من أسرة في قاع جهران، وهي ابنة الشيخ محمد عليب. وكان أبي حينها في رحلة قضائية، وتعرّف على والدتي وأصرّ أن يتزوجها، فتزوجها ثم جاء بها إلى القرية من قاع جهران.

  • رحمة: وكيف تعرّف عليها؟ هل كانت سابقًا كاشفة الوجه أم رآها منقبة وأُعجب بها؟

الغابري: غالبًا في الريف اليمني كانت النساء يعملن في الحقل ويقابلن الرجال بسهولة، ويبدو أنه عندما كان والدي يفصل بين الورثة رآها في الحقل، وأخبر والدها بأنه يريد ابنتَه على شرع الله.

الريف بعدسة الغابري

  • رحمة: ألم يكن متزوجًا سابقًا؟

الغابري: أبي لم يتزوج من قبل، ولكن في الآخر تزوج أُخرى غير غابرية، ولكن سرعان ما انفصل، وأنجبت له ابنة، وهي أختي الأكبر مني من أم أخرى، لكنها طبق الأصل من والدي.

  • رحمة: الصورة ليست واضحة؛ هل تقصد أن والدك تزوج قبل والدتك أم بعدها؟

الغابري: تزوج بعد والدتي، ولكن لم تستمر هذه الزيجة غير عامٍ واحد، ثم طلقها إخلاصًا لزوجته الأولى التي هي أمي.

  • رحمة: كم عددكم إخوة وأخوات؟

الغابري: نحن خمسة إخوة ذكور وبنتان، وأكبرنا أخي الصحفي الكبير زيد الغابري، الذي كان مدير تحرير «الجمهورية» والمذيع المعروف، وبعده أختي شائعة، لكنها توفيت، ثم الدكتور عبده الغابري، وجميعهم توفوا أثناء الحرب الأخيرة.

زيد الغابري

  • رحمة: وما سبب وفاتهم؟ هل كانت وفاة طبيعية أم شيء آخر؟

الغابري: بالنسبة لزيد، مات قهرًا بعد دخول دبابة إلى منزله في تعز.

  • رحمة (مقاطعة): هل تقصد زيد الغابري الذي كان في سوق الصميل بحوض الأشراف؟

الغابري: نعم.

  • رحمة: هذا كان جارنا.

الغابري: زيد تدهورت حالته الصحية من شدة القهر، وتوفي في 2017، وأنا قادم من ماليزيا، ولم أستطع أن أشارك في مراسم دفنه. أما بالنسبة لأختي التي بعده، فسقطت قذيفة على بيتها، وسلمت ابنتها، بينما أختي تم نقلها إلى المستشفى، لكنها فارقت الحياة. وأخي الطبيب الماهر عبده، وهو أكبر مني، أُصيب بسرطان العظام وتوفي. وتبقيتُ أنا واثنان: فؤاد، وهو موسيقي في تعز، وعبدالله في الإعلام، مدير عام العلاقات، وأختي غير الشقيقة.

  • رحمة: هذا يعني أنكم جميعًا أسرة مبدعة، ولكن استمررتم في العيش في عتمة حتى عام كم؟

الغابري: قضيتُ في عتمة حتى عام 1964، ولكني بعد الثورة بسنتين سافرت إلى صنعاء، وكنت أتردد إلى القرية.

صنعاء

  • رحمة: هذا يعني أنك غادرت قريتك في عمر الثمان سنوات.

الغابري: نعم، سافرت من القرية مشيًا على الأقدام إلى مدينة الشرق بذمار.

  • رحمة: مع من ذهبت؟ هل ذهبت وحدك وأنت في عمر ثمان سنوات؟

الغابري: ذهبت مع اخي و شخص أرسلتنا معه والدتي، وقد كنا ندرس في القرية في «معلامة»، ولم تكن مدرسة، رغم اني كنت جيدًا في دراستي فيها.

  • رحمة: هذا يعني أنك كنت تحفظ القرآن والأحاديث؟

الغابري: أنا حفظت القرآن سبع مرات.

  • رحمة: هل تقصد السبع قراءات؟

الغابري: السبع قراءات، وأنا حافظٌ للقرآن جيدًا، وكان والدي يشجعني على هذا، وأيضًا المدرسون. ولم يكن لدينا عمل إلا حفظ القرآن؛ حتى يُحتفى بنا ولذلك لا بد أن نحفظ القرآن.

  • رحمة: كيف كانوا يحتفلون؟

الغابري: كانوا يقلون لنا أشياء، وأحيانًا يذبحون لنا ديكًا.

  • رحمة: من المؤكد أنك تشعر بالفخر لأنك حفظت القرآن.

الغابري: من يُحتفى به كان يحمل اللوح على ظهره، والناس يسيرون خلفه محتفين، وكان حفظ القرآن من أجل هذه اللحظات.

  • رحمة: في تلك الفترة تحديدًا في عتمة، من المؤكد أن هناك لقطات معيّنة لا تزال عالقة في ذاكرتك؛ كلما رأيتها تتذكر وتقول: هذه طفولتي. دعنا نعرف ما هي تلك اللقطات التي ظلت عالقة في ذاكرتك.

الغابري: ستبقى تلك اللقطات هي التي ألهمتني وجعلتني أتوق إلى التصوير؛ مثل الغابات والأشجار المحيطة بالبيت والقرية، الراعيات والرعيان، ثمار البرقوق، العصافير، لحظات تساقط الأمطار، الجو الخرافي، ظهور قوس قزح، والشمس التي تنعكس على الأشجار وتُظهر نوعًا من الإشعاع الفظيع. وكنت أحاول أن أحبس هذه المشاهد لكي لا تزول، فغُرس في نفسي أنه لا توجد وسيلة على الإطلاق للاحتفاظ بهذه المشاهد إلا بالتصوير. وبالطبع، من قبل أن أُمسك الكاميرا، كان زيد، أخي رحمه الله، يرسل لنا من العراق مجلاتٍ بها الصور، وكنت أقول: أنا أريد أن أعمل مثلها.

محمية عتمة

  • رحمة: ما أبرز المجلات التي كنت تطّلع عليها وأنت صغير؟

الغابري: كان أخي زيد يرسل لنا صحفًا ومجلات من بيروت  المصوّر، وجرائد عراقية ومصرية مثل أخبار اليوم وروز اليوسف.

  • رحمة: وهل كانت الصور أكثر شيء يشد انتباهك ويلفت نظرك؟

الغابري: بكل تأكيد، كانت تشد انتباهي كثيرًا.

  • رحمة: في إطار البيت أريد أن أركز على اللقطات. أنت الآن تحدثت عن اللقطات في المحيط، عن جمال الطبيعة في عتمة. داخل البيت من المؤكد أن هناك لقطات لا تزال عالقة في ذاكرتك: والدك وهو يصلي أو يقرأ القرآن، أو أنتم مجتمعون حول المائدة، والدتك وهي تخبز. من المؤكد أن هناك لقطات معينة، هل يمكن أن تتذكر لنا من ثلاث إلى أربع لقطات من داخل البيت؟

الغابري: أنتِ تعرفين حياة الفلاحين والقرية، هذه الخصوبة الجميلة في الأرض، وجمال النفس والبيئة التي تُشكّل الإنسان، فلم يكن لدينا أي حرج. مثلًا، عندما أرى أبي يدعوا أمي ويتمنى ويقول لها: «هل لديك اليوم حليب؟ هاتي لنا من البقرة الفلانية. أو معك فطير؟ هاتي للأولاد. وأنا سأذهب إلى الحكومة، واتركي لي قليلًا من الحليب في الطاقة بعيدًا حتى لا يشربه الأولاد، لأني سآتي متأخرًا». فتقول: «حاضر». ومن هذه الحكايات...

وعندما تذهب والدتي للعمل في الحقل وتتساقط الأمطار بغزارة في قريتنا، كان يرعبني جدًا أن تكون أمي بعيدة، وأخشى عليها من السيول. وعندما أراها قادمة أشعر بالسعادة، وأخرج بعد ذلك بين المطر.

  • رحمة: من المؤكد أن هناك لقطات سلبية، ولا أعرف، ربما تكون داخل البيت، مثلاً تعرضت لعنف او لحالة قهر معينة، أو ديون، أو تنمروا عليك من المحيط؟

الغابري: هذا من المؤكد؛ لأنه كان هناك بعض الأساتذة الذين نسميهم «سيّدنا»، كانوا يرعبوننا بالعصا. كانت أيام تخلف.

  • رحمة: وهناك الفَلَكة التي يُضرَب بها على الأقدام؟

الغابري: بالأقدام، واليد، والظهر.

  • رحمة: وكذلك المشبك الذي يتم وضعه في الأذن؟

الغابري: كانت هناك الكثير من الأساليب، لدرجة أن أحد الأساتذة غضبت منه ورميته بحجر في ظهره، وقلت له: «سأذهب للدراسة في مكان آخر، أو أبيع قاتًا ولا أدرس عندك». وكان أخي الصغير عبدالله يفعل نفس حركتي مع الأساتذة الذين يمارسون العنف ضد الطلاب.

وكان معي بساتين صغيرة بجانب البيت أهتم بزراعتها، وكنت أزرع القرنفل والريحان والبسباس والبِلَس وأشياء كثيرة. وكان هناك أطفال يحسدونني ويقومون بالتبول على الأشجار، وكنت أغضب لدرجة أنني أدخل في اشتباكات معهم؛ لذلك سمّوني «العربجي».

  • رحمة: عندما تعرضت للعنف في المِعْلامة، قلت عبارة لفتت انتباهي: «سأذهب لبيع القات ولا أدرس». فهل كان بيع القات أقل درجة حينها في ذمار؟

الغابري: أنتِ تعرفين عمل «المقوّت»، وهو قطاف القات ثم يذهب لبيعه في الحكومة ويكسب أقل الأثمان؛ لأن القات كان بالنسبة لكثير من الناس غير مرغوب به، إلا بعض الذين يعملون في الحقول.

  • رحمة: هل كان غاليًا أم سعره رخيص؟

الغابري: كان غاليًا في السوق، لكن الذي لديه قات يعطيه مجانًا ولا يبيعه.

  • رحمة: تقصد أنه كان للاستخدام الشخصي، أليس كذلك؟

الغابري: كان أولًا للاستخدام الشخصي؛ لأنه لم يكن هناك بيع، وكان مكانًا معينًا، لأن كل الحقول الأخرى كانت مخصصة لزراعة المحاصيل المتنوعة. وبما أن القات يتحمل العطش، فكانوا يزرعونه في أماكن جافة لا توجد بها غيول.

  • رحمة: أستاذ عبدالرحمن، بعد أن قامت ثورة 26 سبتمبر وكان عمرك حينها ست سنوات، هل تذكر أحداثًا أو لقطات؟ وكيف تعامل المحيط والعائلة مع خبر الثورة في ذلك العمر؟

الغابري: أنا أتذكرها جيدًا. كان لدي رفيق اسمه ثابت، وكان لدينا قريب يمتلك مذياعًا. سمع خبر موت الإمام في تعز وأبلغ الناس، ومرت طائرة «داكوتا» فوق قريتنا، وقالوا: «هذه طائرة، مولانا مات». وأنا زغردت؛ لأن أبي كان خصمًا للإمام، ودخل معه في مشارعة من أجل عمي. وكان أبي من الأحرار الكثيرين من بيت الغابري. وعندما سجن الإمام عمي بسبب مشادة على جنبية، شارعه أبي.

  • رحمة: هذا يعني أنه تجرأ على مشارعة الإمام وكان له موقف من البداية؟

الغابري: كان والدي، رحمه الله، لا يسكت على باطل، حتى حكامهم أو ما يسمى «العامل» الذين كان يرسلهم الإمام، كان أبي يتصدى لهم.

  • رحمة: بعد ذلك قررت والدتك إرسالك للتعليم إلى صنعاء؟

الغابري: نعم. أمي، بعد وفاة أبي سنة 1960، أرسلتني إلى صنعاء.

  • رحمة: مات والدك وعمرك أربع سنوات؟

الغابري: نعم، ورغم ذلك لا زلت أتذكره.

  • رحمة: كيف توفي والدك؟

الغابري: والدي كان أمينًا شرعيًا وقاضيًا. وفي إحدى السنوات، في وقت الجَذْبة (قلة هطول الأمطار)، وصلت معونة كندية، عبارة عن دقيق وبر، إلى الحديدة. فذهب إلى هناك كونه واحدًا من أعيان القرية. مر عبر طريق مدينة الشرق مشيًا على الأقدام، ووصل إلى عُبال، ومنها إلى الحديدة، وأخذ البضاعة وفق كشف أسماء المحتاجين في العزلة، وعاد.

لكنه أمسى في مدينة الشرق، التي كانت تسمى «مدينة العبيد»، ولدغته البعوض بشكل كبير. وأذكر أنه ذهب إلى الحكومة ووضع البضاعة ثم عاد، وكان يحك جلده لدرجة أن الدم كان يخرج منه. واستمر على ذلك الحال ثلاثة أيام، ثم قضت عليه الملاريا.

  • رحمة: بعد ذلك، كيف أصبح وضعكم دون أب؟ من كان ينفق عليكم؟ وكيف كان وضع الوالدة؟

الغابري: كان أخي زيد يدرس في العراق وقتها، وكان أكبرنا الدكتور في تعز، لكنه عاد عندما  توفي والدي. كنت أدرس وأشتغل في الحقل، أبيع البن أو السمن، وهكذا نقضي أمرنا. وأمي، عندما رأت أنني تمردت على الدراسة بسبب الأستاذ، قالت: لا بد أن أذهب للدراسة.

  • رحمة: كان لديهم اهتمام بالتعليم رغم الظروف، خصوصًا وأن شقيقك سافر إلى العراق للدراسة؟

الغابري: والدي كان مهتمًا بالتعليم، وهو من أرسل أخي إلى تعز للدراسة.

  • رحمة: أولًا أرسله للدراسة في تعز، ولكن لماذا تعز تحديدًا؟

الغابري: لأنها كانت المدينة الأكثر انفتاحًا وثقافة، والتعليم فيها جيد. رغم أن الأئمة ظلموها، لكنها كانت الواجهة بالنسبة لمعظم الناس في شمال الشمال الذين يريدون التعليم.

  • رحمة: وكونها كانت الوسطى ما بين عدن الأكثر تحررًا وصنعاء الأكثر تشددًا. بعد ذلك قررت السفر، وكما يبدو لي فأنت متعلق بوالدتك؛ لذلك أريد أن أعرف كيف كان شعورك وأنت تودع والدتك وتسافر مع أحد أقربائك بعد وفاة والدك، وستترك والدتك وتذهب إلى مكان آخر؟ نريد أن تصف لنا تلك اللحظة وكأننا نراها.

الغابري: لا تبكيني يا رحمة، أنا رجل عاطفي جداً. عندما ودعتها أعطتني ريالين، أنا وأخي الذي بعدي، جمعتْهما من قيمة السمن والبن، وقالت: «ودعتك الله، شد حيلك، وارجع لنا معلمًا، ولا تهتم» لأنها كانت تخاف عليّ؛ لأنني كنت أبذل جهدًا كبيرًا في الحقل، وكان يأتي للأطفال الذين يعملون في سني وجع في «الجنب». وقالت: «من الأفضل ألا تعمل، وسنجلب عاملًا، وأنت اذهب مع أخوك وادرس».

بقي معها أخي عبدالله وأختي، ومشينا من البلاد إلى مدينة الشرق، ومن هناك ركبنا حمارًا إلى عُبال. وأوقفتنا السيول في الوديان، وادي سهمان - إن لم تخني الذاكرة - وهو وادٍ مؤدٍ إلى عُبال. وهذه المدينة رديئة وموبوءة مثل مدينة الشرق.

لكن أمي أعطتني كعكًا، وأنا لم أرضَ أن آكل من الكعك الخاص بهم. وأخذنا الماء من الغيل في علبة خاصة بالسمن، وشربناه في الطريق.

  • رحمة: أعتذر عن مقاطعتي لك أستاذ، ولكن لماذا مدينة الشرق وعُبال موبوءتان؟ من المؤكد أن هناك تفسيرًا معينًا؟

الغابري: لأن هناك أودية كانت ملتقى الحمير والبغال والسماسرة، وكانت ممتلئة، والناس لا يهتموا بالنظافة، وفي جوارها مياه ملوثة ومستنقعات. والمنطقة رطبة جدًا، وتوجد الكثير من البعوض والحشرات الأخرى.

المهم، وصلنا بعد ذلك إلى باجل، ثم إلى الحديدة، وركبنا باص الشركة اليمنية للنقل. وكانت بالنسبة لي مفاجأة عظيمة، وكان السائق مرحًا. وكنا قد عدينا المناطق الحارة، وكان في ذلك الوقت بداية الصيف.

وصلنا إلى مناخة، وقدموا لنا الخبز، وسمعنا أغاني من الراديو. وبعدها طلعنا إلى بني مطر والحيمة، وكنت أسمع أصوات الفلاحين وأرى الاخضرار الذي كان يزين المكان، والبيئة الرهيبة الجميلة التي تشبه بيئتنا في جبال القرية. وقد علقت في ذاكرتي حتى اليوم، ولا زلت أزور تلك الأماكن التي مررت بها إلى صنعاء حتى اليوم.

  • رحمة: ما زلتُ متعلّقًا بها بسبب المناظر الخلّابة.

الغابري: والأصوات المرافقة للرعاة والفلاحين. وكان في ذلك الوقت النساء لا يرتدين اللون الأسود ولا الشرشف في القرى، وكان فقط في صنعاء القديمة في بعض الحارات. أمّا قاع العلفي وضواحي صنعاء وبني حشيش وبني مطر، فلم يكن يوجد شيء اسمه شرشف وخمار. وهناك شعرتُ أن الجو جميل، وقلوب الناس نظيفة ورائعة.

  • رحمة: ألم تتعرض لأي تجارب سيئة وأنت في طريقك، كأن يتم التحرش بك أو يتنمر أحد، خصوصًا وأنك ما زلت طفلًا؟ ألم تشعر بالجوع؟ هل كانت جميع أمورك جيدة؟

الغابري: بالنسبة لي لا، لم يحدث ذلك وهي كانت تجربة فوق شاحنة كانوا يسمونها "عنتر نش"، وهو في الأصل اسمه "إنترناشونال". ونحن صعدنا في الخلف، وكانت رائحة الديزل تعبئ المكان، وهي غريبة بالنسبة لي، ولا تزال عالقة في ذهني.

  • رحمة: وكم استمرت رحلتك إلى صنعاء؟

الغابري: استمرت رحلتنا ما يقارب أربعة أيام.

  • رحمة: ولكن أنت قلت سابقًا إنكم مشيتم على الأقدام.

الغابري: مشينا على الأقدام من القرية إلى مدينة الشرق حوالي 45 كيلو، وإلى عبال نفس المسافة تقريبًا. أنا مشيت في نهاية 1973 من ذمار وحتى القرية 55 كيلو مشيًا على الأقدام بين الجبال، وذلك بعد أن عدتُ من دمشق.

  • رحمة: كنتم تسيرون مسافات طويلة، وبعد ذلك وصلتم إلى صنعاء. وكيف اخترتم مدرسة الأيتام؟

الغابري: كان أخي الدكتور قد جاء من ألمانيا، وكان موجودًا في المستشفى الجمهوري. استقبلني، وهو أجمل إخوتي. وصلنا بسيارة من باب اليمن إلى المستشفى عند أخي، ودخلنا إليه. وكان بجانبه مصحة للمجانين في نفس سكنه؛ لأنهم كانوا أطباء المستشفى الجمهوري، وكان لديهم سكن مجاني وأكل وشرب مجاني. وسكنّا بجانب أخي. وعندما جاء وقت التسجيل في المدرسة، سجّلنا أنا وأخي في مدرسة العلفي في قاع العلفي، ودرسنا حوالي سنة أو سنة ونصف. وكنت حينها في الصف الثالث الابتدائي؛ لأنهم كانوا قد صنّفوني في هذه المرحلة، إذ إن والدي ترك لنا كتبًا وكان خطي جيدًا.

  • رحمة: هذا يعني أنه كان هناك امتحان قبول، وبالتالي وفق الامتحان انتقلت إلى المرحلة الثالثة مباشرة. الآن دعنا نتحدث عن تجربتك الأولى في مدرسة الأيتام في صنعاء. في أول يوم، ما هي الصور التي لا تزال عالقة في ذاكرتك؟

الغابري: دخلنا مدرسة الأيتام؛ لأن أخي سيذهب إلى تعز، ولن يكون هناك أحد يرعانا في صنعاء، فسجلنا في هذه المدرسة أنا وأخي. وصلنا إلى المدرسة على أساس أنها مدرسة جميلة والمنهج جيد. وفي كل الأحوال كان المنهج المصري جيدًا وليس ملغمًا؛ كان هناك تاريخ وجغرافيا ورياضيات، وكان المنهج قويًا جدًا، وليس كما هو الآن في الابتدائي. المهم سجلنا هناك بصعوبة؛ لأن التسجيل في القسم الداخلي للأيتام، وهم لا يقبلون إلا الحالات الملحّة كالذين لا يجدون أحدًا يرعاهم؛ لأنها مدرسة داخلية وفيها قسم داخلي وأكل وشرب وملابس في السنة. بالطبع تم تسجيلي باسم غير اسمي، وقبلتُ؛ لأنه في الأصل كان اسمي أمين، ولأن احد الطلاب كان اسمه عبدالرحمن قد توفي، فسجلوني بهذا الاسم: عبدالرحمن الغابري. المهم وصلتُ إلى الفصل، وإذا بالطاولة التي أنا فيها هي طاولة الرئيس عبدالله السلال، وهو درس فيها. أنا أتذكر كنا ونحن صغار نهتف: عاش السلال! حتى في إحدى زيارات الأيتام أخبرته بذلك. كانت المدرسة بمنتهى الجمال، وكان لدينا فراش وصندوق خاص تُحفظ فيه أدواتنا الخاصة. وكان لدينا فطور كدم وفول وفاصوليا، والغداء رز ولحم بقري، والعشاء كدم من قصر السلاح، أو ما كان يُعرف بقصر غمدان.

  • رحمة: وهل كان يُعطى لكم الكدم مع حليب؟

الغابري: كان بجوارنا واحد اسمه التركي، نشرب عنده على الكدم شاي، أو نأكل معه كراثًا من البكيرية. ومشّينا حالنا. وأحيانًا نزور سوق الملح ونأخذ بعض الأشياء. وكانت لنا هيبة؛ كان إذا أحد تعرّض لشيء أو أي مشكلة في صنعاء، تهبّ المدرسة بأكملها. لقد كنا في هذه المدرسة إخوة، وإذا تعرّضنا للظلم لا نقف صامتين.

  • رحمة: لقد كنتم تدعمون بعضكم البعض. والآن دعنا نتحدث عن المناهج. من المؤكد كان هناك قرآن ولغة عربية، فهل كانت هناك مواد أخرى غيرهما؟

الغابري: كان هناك الرياضيات والجغرافيا والتربية الوطنية واللغة العربية، النحو والصرف. كان كل شيء موجودًا، ولم يكن ملغمًا. حتى إنهم كانوا يذكرون في تاريخنا القديم شمر يهرعش وعبهلة وذمار علي، وحضارة سبأ وحمير وقتبان. في التاريخ كانوا يذكرون لنا اليمن من حضرموت والمهرة. كان هذا موجودًا، وهي التي غابت مؤخرًا بعد سنة 70. وأضيف لك أن عملة الريال والخمسة التي كانت ورقية كان يوجد فيها رموزنا التاريخية، وقادتنا العظام السبئيين والحميريين، وفيها البن والعنب.

طلاب مدرسة الايتام

  • رحمة: عندما كنت في مدرسة الأيتام كنت في الصف الثالث، وبعد ثمان سنوات أو تسع سنوات في ذلك الوقت، عندما كان الطفل يبلغ من العمر 10 سنوات كان يُعتبر بالغًا، بالذات وهو يتيم ويتحمل مسؤولية. فمتى كانت أول مرة رأيت فيها كاميرا بعينك؟

الغابري: بعد أن أنهيت الدراسة في مدرسة الأيتام حدثت قصة. جاء طلب لمطبعة التوجيه المعنوي لعمال طباعة الحروف الرصاصية، وهم في التوجيه المعنوي احتاجوا لمجلة الجيش، وكان ذلك في عام 1968 بعد حرب أغسطس، أعتقد في سبتمبر. وجاؤوا إلى هناك وطلبوا، وأنا بادرت أول واحد بالموافقة، وكان عمري حينها 12 عامًا. ووصلت إلى هناك وقلت: ماذا تريدون بالضبط؟ وطلبوا مني أن أدخل إلى المطبعة، وكان هناك صناديق بها الحروف الرصاصية للطباعة.

  • رحمة: وهل كان هناك مقابل مالي لهذا العمل؟

الغابري: بالطبع، هو تجنيد رسمي، ولكنه مدني. يسلموك بطاقة عسكرية، ولكن يُكتب فيها: مدني.

  • رحمة: وهذه كانت المرة الأولى التي تستلم فيها راتبًا من عرق جبينك، كما يقول المصريون.

الغابري: نعم، وكان المبلغ 40 ريالًا، وكانت شيئًا كبيرًا.

  • رحمة: عندما استلمت الأربعين ريالًا أول مرة، ماذا فعلت بها؟

الغابري: أخذتُ لأمي حذاءً ومقرمة، ولأختي أيضًا، وأخذتُ لي حذاءً وجاكيت، ولبست كرافتة يومها. وكان هناك مطعم يبيع لحم صغار وكبدة في شارع علي عبدالمغني، كنت آكل فيه. وكانت الحياة جميلة. المهم في المطبعة كنت أقوم بالطباعة، ومن ضمن ما قمت بطباعته موضوع شهري للشاعر عبد الله البردوني اسمه "النائمون في طريق السيل"، وكانت هذه أول معرفتي بالأستاذ البردوني. طبعًا في جانب الطباعة كان هناك قسم تصوير تركه المصريون بعد حرب 67؛ وهم أسسوا استوديو ومكتبة وأجهزة صوتية للتعبئة العامة. وكان في الاستوديو واحد بارع جدًا اسمه خالد السقاف، وعبدالله السنحاني، الذي كان يصور خارج الاستوديو ويعود ويضع الكاميرا الخاصة بالتوجيه ويذهب. وفي هذا الاستوديو كانوا يصورون الجنود والضباط لقطع بطائق من التوجيه المعنوي. فلفت نظري هذا، ودخلت وتعلمت بأقصى سرعة الطبع والتحميض والكاميرا. وكنت في ذلك الوقت لا أزال أدرس، أذهب إلى المدرسة وأشتغل طباعة، ولم يكن لدي وقت خالص. وأصبحت أشتغل كل شيء، واشتغلت بكاميرا التوجيه المعنوي بشكل جميل.

  • رحمة: هذه كانت البداية مع الكاميرا، ولكن من المؤكد وأنت صغير كنت ترى مجلة المصور وروز اليوسف المصرية وغيرها. من المؤكد كان هناك حلم معين، هل كنت تحلم أن تكون مثل والدك قاضياً أو كالإمام أحمد؟

الغابري: لم يكن برأسي أيٌّ من هذه الأحلام. حلمي أن أصبح خارقاً للعادة في مجال التصوير أو المجال الفني وفي السينما. كنت عندما أدخل إلى سينما بلقيس أتخيل نفسي أنا من صنعت هذه الأشياء، ولم يكن في ذهني أن أكون إماماً أو مثل أبي قاضياً أو في الشريعة.

  • رحمة: كان المهم عندك زراعة الورود والأشجار، وتفكر كيف تساعد والدتك.

الغابري: بالضبط، أزرع وأعمل كل شيء.

  • رحمة: ما هو أول شيء قمت بطباعته في التوجيه المعنوي بالحروف الرصاصية؟

الغابري: الأستاذ عبد الله البردوني كان لديه مقال شهري في مجلة الجيش اسمه «النائمون في طريق السيل». هذا كان أول شيء أقوم بطباعته، وكانت هذه المجلة ليست مجلة الجيش وحسب، بل مجلة أدبية يكتب فيها كُتّاب وأدباء.

عبدالله البردوني

  • رحمة: ما أول لقطة التقطتها بعد أن تعلمت استخدام الكاميرا والتحميض؟

الغابري: أنا صورت أشياء كثيرة، ولكن أعز صورة لأمي عندما نزلت القرية، وبحوزتي كاميرا تابعة للتوجيه المعنوي.

  • رحمة: ومتى زرت قريتك؟

الغابري: سافرت إلى القرية بعد سنة ونصف من عملي في التوجيه المعنوي، وكانت رحلة سريعة جداً. سافرت إليها من طريق مدينة الشرق، وكانت هناك سيارة تأتي إلى مدينة الشرق، وسيارات موسمية تنزل إلى القرية، وأنا نزلت إلى القرية وصورت أمي وعدت.

  • رحمة: هذا يعني أن عمرك كان 14 سنة عندما سافرت إلى القرية، وهل سلمتها الحذاء والهدايا التي اشتريتها؟

الغابري: أنا أرسلت لها مسبقاً مع شخص يُعرف بـ«الطبل»، يأتي من القرية ويمر تعز وصنعاء، ويأخذ الأشياء ويوصلها إلى القرية. وأنا عندما أسافر آخذ أشياء أخرى ولم أكتفي بما ارسلت لها.

  • رحمة: عندما زرت القرية وأنت بعمر 15 ولديك 40 ريالاً شهرياً، وهو مبلغ ليس بقليل في تلك الفترة، ولديك مهارة، ألم تعرض والدتك عليك أن تخطب لك، أو أنت ألم تبدأ بالتفكير في الزواج؟

الغابري: حدث ذلك، ليس من أمي وحسب، بل من أقاربي الآخرين. كانوا يريدون أن يخطبوا لي امرأة من خارج القرية، وأخبرتهم بأنه ليس وقته.

  • رحمة: ألم تكن برأسك امرأة محددة، أو أخرى تسكن بجوار مكتب الأيتام؟

الغابري (ضاحكاً): كان هناك معجبات كثر بي ، وأنا للأمانة معجب بهن. عندما كنا نرعى مع بعضنا، حينما كنت أرعى الغنم بعد أن أخرج من المدرسة.

  • رحمة: ألم تتبقَّ راعية في ذهنك منذ ذلك اليوم؟

الغابري: لازلن في ذهني.

  • رحمة: ومن الراعيات، ألم تتبقَّ امرأة واحدة أردت أن تتزوجها؟

الغابري: كان في رأسي، ولكن بعد أن رأيت أني دخلت هذا المجال ذهب من ذهني أن أرتبط. كنت أفكر في تطوير عملي ودراستي، ولم أفكر في الزواج بتاتاً، وقلت إن الارتباط ليس وقته الآن.

  • رحمة: ولكن كان سائداً حينها أن البنت عندما تبلغ من العمر 16 عاماً يتم تزويجها، وهو الحال بالنسبة للولد، ولكن جميل أنك صمدت وقررت أن تواصل. الآن دعنا ننتقل إلى 1976، وهكذا سيكون عمرك 20 عاماً. فما أبرز شيء أنجزته؟ حدثنا عن ثلاثة اشياء انجزتها.

الغابري: أولاً، في مجال التصوير الفوتوغرافي انجزت أشياء كثيرة جداً، لأنني خرجت ميدانياً بعد أن حصلت على كاميرا خاصة، وذهبت إلى سوريا في عام 1970 ودرست وتعلمت في مجال الإعلام.

  • رحمة: كيف جاءت فكرة السفر؟

الغابري: جاءت منحة إعلامية للطلاب المهنيين التابعين للإعلام في وزارة الإعلام والتوجيه المعنوي، لأنهم لم يكونوا يفرقون بين عسكري ومدني. جاءت المنحة وبقيت في سوريا أربع سنوات، وعدت بعدها. وخلال عملي، من الإنجازات أيضاً أني درست الموسيقى بشكلها الصحيح في معهد خاص، وكان لدي مرتب من السوريين ومرتب من التوجيه المعنوي، وأثناء العطل كنت أذهب للعمل في أماكن أخرى بتركيا واليونان واكون طالب جيد واعود بمبلغ محترم.

  • رحمة: حينما كان عمرك 15 عاماً، كم عدد الدول التي سافرت إليها؟

الغابري: تركيا واليونان. المهم، ما بين 70 و76 أنجزت بعد الدراسة في سوريا، وتخصصت سينما تسجيلية في لبنان، وأخذت كاميرات وصورت أفلاماً مع الفلسطينيين في الحرب اللبنانية الإسرائيلية في النبطية وكفر شوبا وراشيا الفخار، في مناطق التماس، حتى إنني صورت وساهمت في الإخراج واخرجت.

  • رحمة: ما هو العمل المسرحي الذي شاركت فيه والعمل السينمائي الذي أنتجته؟

الغابري: عملت في بيروت عمل سينمائي، وفيلم آخر سأخبرك عنه حينما أصل في حديثي إلى سنة 1986. أنا بعد أن عدت أخرجت مسرحيات. درست مسرحاً في سوريا إلى جانب دراستي، ودرست موسيقى على حسابي الخاص. وكان يأتينا عبد اللطيف فتحي وياسين بقوش ودريد لحام ومحمود جبر ومحمد البيولالي في الموسيقى. وأخذت العود واشتغلت وغنيت.

  • رحمة: ما هو الرابط الذي كان لدى عبدالرحمن الغابري ما بين السينما والصورة الفوتوغرافية والموسيقى؟

الغابري: جميعها فنون استهوتني، لأنني كنت في القرية أسمع الأناشيد والأغاني وأغني، وكان صوتي جيداً.

  • رحمة: ما هي أكثر أغنية كنت ترددها؟

الغابري: كانت أغانٍ زراعية من مواسم الزرع، يغنيها الرعاة والفلاحون، واليهود اليمنيون كانوا أكثر إلماماً بها، ولكن في قريتنا كانوا يغنونها أيضاً، ومن ضمنها «اشتي حبيب قلبي»، «يلا رضاك»… أغانٍ كثيرة.

  • رحمة: ما الذي تخصصت به في مجال الموسيقى تحديداً؟

الغابري: العزف على العود بنوتة.

  • رحمة: ومتى جمعتهم الثلاثة في عمل مشترك؟ وما هو هذا العمل؟ وأقصد هنا الموسيقى، والصور الفوتوغرافية، والسينما؟

الغابري: في مسرحية «إرادة شعب» لمحمد الزرقة، أنا أخرجتها سنة 1976، وجمعتهم فيها. عملت موسيقى تصويرية بالليل على العود، وموسيقى تصويرية في العرض في صندقة، وصورًا فوتوغرافية عندما صورت المسرحية، وصورناها متحركة. وكانت عبارة عن لقطات بسيطة، وليس فيلمًا؛ لأنه عندما تعمل في السينما بفيلم، تكون عمليات المكساج والمونتاج صعبة جدًا.

محمد الزرقة

  • رحمة: ولكن لا يوجد سقف لطموحك العلمي ولا لمهاراتك، كل يوم لديك مهارة جديدة. ولكن ما هو العمل الذي كنت تعمله في سوريا ولبنان؟

الغابري: كنت أدرس مسرحًا وموسيقى، وإلى جانب الدراسة كنت أذهب للعمل في تركيا أو اليونان كمزارع أو بحار، أعمل في أي شيء، والمهم أن أحصل على المال، اجني تفاح ادخل اوروبا الشرقية او في معسكر  شبابي صيفي اسكن واكل مجان.

  • رحمة: لديك مهارات متعددة وتجارب مختلفة. كم سنة قضيتها في الخارج؟ ومتى عدت إلى اليمن مرة أخرى؟

الغابري: عدت إلى اليمن في بداية عام 1976.

  • رحمة: عدت إلى اليمن ولديك مهارات مختلفة. عندما عدت للعمل، ما هو المشروع الذي كان في رأسك بعد تجربتك الجديدة في أوروبا والشام؟

الغابري: رجعت لعمل التصوير من جديد؛ لأن السينما لم تكن موجودة. وكان هناك كاميرا بوليكس سويسرية وبكرتها 100 قدم، فكانوا يصورون فيها الأخبار ويوصلونها للتلفزيون. وقد كان التلفزيون موجودًا أيام الحمدي، وكان هناك جهاز اسمه «تيلي سينما» نصور به الأخبار، ولكن ليس سينما. لكن التصوير الفوتوغرافي عكفت عليه، وبقيت أعمل في الاستديو الذي تركته وأنا صغير. أدوات التحميض كانت موجودة، والورق والأفلام التي رقّمها المصريون والمصورون اليمنيون الخاصة بالبطائق وحرب السبعين يومًا والثورة، كنت أقوم بأرشفتها من جديد؛ لأنها كانت ملفوفة بطريقة بدائية ومعرضة للغبار والرطوبة، وأنا أعدت أرشفتها في أكياس، وبنيت أرشيف التوجيه المعنوي. أنا، على كل حال، وللأمانة، كنت أطلب من الإدارة كل ما أحتاج إليه، وكانوا يلبّون احتياجاتي.

  • رحمة: هل كنت تعمل في التلفزيون والتوجيه المعنوي؟

الغابري: كانوا مرتبطين مع بعضهم البعض منذ زمان، كون الرؤساء الذين حكموا اليمن عسكرًا بعد 1974، فكان التوجيه المعنوي يرسل الإعلام وأفلام الرئاسة وأخبار الدولة تأتي من التوجيه، غير وكالة سبأ للأنباء؛ لأن تلك كانت تحرر وتُصوَّر وتُرسل المادة. كنا نرسل الصور اليومية لصحيفة «الثورة» الخاصة بالرئاسة والاستقبالات وغيرها، وهي ترسلها مع السائق إلى الوكالة.

المرأة بعدسة الغابري

  • رحمة: هذا يعني أنك وصلت في الدراسة ومهارات التصوير إلى أعلى الدرجات، وكان هناك تعاون ما بينك وبين القيادات الإعلامية، ولم يكن هناك نفور بشكل كبير. الآن دعنا نرى علاقتك بالسياسيين خلال هذه الفترة، وقد أصبح عبدالرحمن الغابري اسمًا ومؤهلًا ولديه خبرة، وسافر ولديه تجارب جديدة لم يحظَ بها الكثير. من هو أكبر شخصية سياسية تعرفت عليها لأول مرة، وعمرك بعد 15 عامًا أو بعد سفرك إلى سوريا؟ من كان؟ وكيف كان اللقاء؟

الغابري: أول لقاء لي مع الرؤساء كان مع القاضي عبدالرحمن الإرياني، رحمه الله، في دمشق. جاء، وكانت الكاميرا معي، وقابلته وهو بلباسه العادي، ودخلت إلى مقر أبو رمانة ومعي الكاميرا. سألته عن حاله، وسألني عن الحال.

القاضي عبدالرحمن الإرياني

  • رحمة (مقاطعة): هل كان يعرفك حينها؟

الغابري: كان يعرف أن هناك طلابًا، وأنا كنت بينهم، وكنت دائمًا أختلط مع هذه الشخصيات. أحيانًا لإعانات؛ مثلًا طلبت منه أن أعود إلى اليمن عندما قضيت ثلاث سنوات في سوريا.

  • رحمة: هل كان هذا في عام 1973؟

الغابري: كان ذلك في سبتمبر 1973، خلال العطلة الصيفية. قال لي: ماذا تريد؟ وأنا التقطت له صورة، ولكني لم أنشرها. قلت له إنني مشتاق للقرية وأريد تذكرة ومصروفًا. قال: اذهب على طائرة الرئاسة التي ستذهب إلى بيروت لأخذ أشياء للرئاسة، ومنه إلى اليمن، ونحن سنصرف عليك في الطريق. أما مصروف، فنحن جميعًا نحتاج إلى مصروف. لقد كان القاضي عبدالرحمن الإرياني ظريفًا، وهذا كان أول لقاء لي به.

  • رحمة: هذا يعني أنك عرفت السلال من خلال الطاولة والهتافات، والقاضي الإرياني عرفته في عام 1973. بعدها الرئيس إبراهيم الحمدي، هل التقيت به؟ ومتى؟

الغابري: التقيت به كثيرًا وصورته. التقيت به في موسم التشجير الذي كان في أيامه، وكنت أقوم بتغطية الفعالية بالصور، ولا تزال موجودة معي. وبعدها أذهب إلى التوجيه. ولم يكن لديه مصور؛ كان أحيانًا عبدالله السنحاني يذهب لتصويره. ومن حسن حظي أنني عرفت أخاه القاضي عبدالوهاب، وعرفت محمد الحمدي في طائرة الرئاسة أيام الإرياني.

الحمدي اثناء تدشين موسم التشجير

  • رحمة: ما الذي كان يميز علاقتك بالرئيس إبراهيم الحمدي؟ هل هناك قصة تحب مشاركتنا بها؟

الغابري: من حسن الحظ أنني أعرف أخاه عبدالوهاب وحسن؛ لأنني تجاورت معهم جنبًا إلى جنب، فاستأجرت بيتًا كاملًا في بير الشمس بـ250 ريالًا، أربعة طوابق، وكان ضخمًا جدًا، وهو بقرب منزل القاضي عبدالوهاب وحسن الحمدي. وكان للمنزل مساحة واسعة، وتزوجت فيه.

  • رحمة: فيما يخص ارتباطك، كيف اخترت زوجتك؟ وكم كان عمرك حينها؟

الغابري: قبل أن أجيب على سؤالك، أتذكر أنني ذهبت إلى إبراهيم الحمدي وسلمته دعوة زفافي. قلت له: أنا ساكن إلى جوار أخويك حسن وعبدالوهاب. فقال لي: أنا لا أملك مالًا من حق الدولة، ولكن يمكن أن أجمع لك من أصدقائي. قلت له: ومن قال إنني طلبت منك؟ أنا طلبت أن تشرفنا بالحضور. ومشيت. وبعد ذلك جاء أخوته، واتضح لي أنه جمع من أصدقائه بحدود 2000 أو 3000 ريال، وسلمها للقاضي عبدالوهاب. وأثناء الزفة في اليوم الثاني سلمني القاضي عبدالوهاب مبلغًا ماليًا، وقال: دبّرنا لك يا ولدي.

الغابري في شبابه

  • رحمة: كان ذلك في أي عام؟ هل 1976؟

الغابري: نعم، كان في 1976.

  • رحمة: دعنا نعود إلى قرار الزواج.

الغابري: فيما يخص قرار الزواج، كنت أكتب في صحيفة الثورة، إلى جانب أنني كنت أكتب مقالات عن السينما وأعمدة في معظم الأحيان. وكانت زوجتي، التي لا تزال موجودة معي، تكتب القصة القصيرة، وكانت تُنشر. وأنا سألت: من هذه التي تكتب قصة قصيرة؟ وتعرّفت عليها، وأخبرني محمد الزرقة حينها بأن الكاتبة تأتي أحيانًا لتسليم المقال، فطلبت منه أن يجعلها تأتي إليّ لإشراكها في المسرح، وأنا كنت أُخرج له مسرحيات، منها: الجندرمة، وإرادة شعب، ويوم لا يُنسى. محمد الزرقة كاتب ممتاز.

مسرحية الجندرمة

  • رحمة: من أي منطقة كانت؟

الغابري: هي من مواليد صنعاء، ولكنها كانت من قرية مسور، التي كانت تتبع حجة، والآن تتبع عمران.

  • رحمة: أنتم مثل والدكم، لا توجد لديكم مشكلة في عدم الزواج ببنت العم أو بنت الخال.

الغابري: لا يوجد منا نحن عيال محمد يحيى متزوّج من غابرية، إلا أخي الدكتور عبدالله متزوج من غابرية ليست من اقاربنا.

  • رحمة: بالنسبة لهذه التي اخترتها وجمعك فيها الإبداع، كم كان عمرها وكم كان عمرك؟

الغابري: لا أتذكر، وأنا لم أسأل عن عمرها، وهي أتذكر كانت في مرحلة الثانوية أو الإعدادية، وتعمل في الثروات المعدنية.

  • رحمة: خلال فترة كم قررتم الزواج؟

الغابري: خلال عام.

  • رحمة: من المؤكد أن شخصًا مبدعًا سيختار إنسانة مبدعة، ولكن لماذا كان والدها رافضًا؟

الغابري: لأنها كانت وحيدته، ولم يكن يريد أن يفقدها، وأنا قدّرت الموقف وأخبرتهم بأن يأخذوا وقتهم.

  • رحمة: وكم أنجبت منها؟

الغابري: خمسة أبناء وبنات: شادي، وأريج، وزرياب، وأمين، وشذى.

  • رحمة: كم لديكم أحفاد؟

الغابري: لديّ خمسة أحفاد، أكبرهم عبدالرحمن في الجامعة سنة ثانية، ومحمد في الثانوية، وهما ابناء شادي.

رحمة: إلى هنا تنتهي حكاية الطفولة والمدرسة وأول كاميرا في حياة عبدالرحمن الغابري، ولكنها لا تنتهي في حياة اليمن. تعرّفنا اليوم على الطفل الذي حوّل اليُتم إلى عدسة، وعلى طالب حوّل قسوة الحياة في صنعاء إلى مشروع عمر. في الحلقة القادمة سننتقل من سؤال: كيف بدأ؟ إلى سؤال أكبر: كيف وثّق اليمن كله؟ وكيف صار الأرشيف وطنًا ثانيًا لا يقل أهمية عن الوطن الأول؟ إلى اللقاء مشاهدينا، ولا شيء يجمع اليمنيين ويدفعهم للتغيير مثل استعادة الزمن الجميل.

ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة (اضغط هنا)

الكلمات الدلالية