عبدالباري طاهر لـ«النداء»: لا حرية بلا أمان ولا صحافة دون حياة كريمة
في المشهد الصحفي اليمني، يبرز اسم الأستاذ عبدالباري طاهر بوصفه أحد القلّة الذين جمعوا بين التجربة الصحفية العميقة، والوعي الثقافي والفكري، والإسهام الأدبي النقدي. فمنذ خمسينات القرن الماضي، امتد حضوره المهني والفكري شاهدًا على التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في اليمن، ومشاركًا في صياغة أسئلتها، وناقدًا لمساراتها الصحفية والفكرية عبر عقود متلاحقة.
في هذا الحوار، يفتح طاهر «دفاتر الوجع» دون مواربة، متوقفًا عند التحول الخطير الذي جعل من الصحافة في اليمن «مهنة للمخاطر»، في بيئة تنظر فيها السلطات إلى الكلمة بوصفها عدوًا أشد خطورة من ساحات القتال. يضع طاهر إصبعه على الجرح، مؤكدًا أن الاستهداف لم يقتصر على الحريات العامة، بل طال جوهر المهنة، وضرب حق الصحفي في الأمان والعيش الكريم، ما أسفر عن تجريف المؤسسات الإعلامية وترك الصحفيين في مواجهة مفتوحة مع القمع و«الإعدام المعنوي» والمساءلة.
فإلى نص الحوار.
- ما أبرز التجارب والمحطات المهنية التي أسهمت في تشكيل وعيك الصحفي وصقلت خبرتك؟
الارتباط بالعمل الوطني، والانتماء الحزبي، وحب القراءة له أبلغ الأثر في تكوين الوعي؛ وبالأخص القراءة الأدبية للشعر والقصة والرواية والنقد الأدبي.
- كم عدد السنوات التي قضيتها في العمل الصحفي حتى اليوم؟
أمَّا السنوات التي قضيتها في العمل الصحفي فمنذ سبعينات القرن الماضي، حتى اليوم. فأنا بعد التدريس، والعمل الإداري في «التجارة الخارجية»، انصرفتُ كُليّةً للعمل الصحفي، وكانت الصحافة هي المصدر الأساس.
- ما أبرز المواقف أو التحديات التي واجهتك خلال مسيرتك المهنية كصحفي؟
أمَّا المواقف التي واجهتني فكثيرة؛ منها: الإيجابي، ومنها السلبي. فمن السِّلبي المُسَاءلات الإدارية، والإيقاف عن العمل، والتحقيقات. وهي السمة العامة للمراحل المختلفة في اليمن حتى اليوم.
رُبَّما كان الاستثناء هو السنوات الثلاث من عمر وحدة الـ 22 من مايو 1990، أمَّا قبلها وما بعدها، فسنوات قمع ومصادرة للحريات وللحياة أيضًا.
- كيف تقيم تجربتك الصحفية الممتدة من تسعينيات القرن الماضي، مروراً بالألفية الأولى والثانية والثالثة، وحتى اللحظة الراهنة؟
لا أقُيِّم تجربتي البسيطة والمتواضعة، والقارئ وحده هو من يقيمها
واقع الصحافة اليمنية ومهامها
- من خلال تتبعكم للمسار الطويل للصحافة في اليمن، كيف تقيمون واقعها الراهن؟
أمَّا واقع الصحافة فإجابته تطول؛ وهو مجال دروس وأبحاث كثيرة. فالصحافة في تعريفها العلمي أو توصيفها «مهنة المتاعب». فالمتاعب في تَلقِّي الخبر، وتتبعه من مصادره المختلفة المتنوعة والمتعددة، والتدقيق في صحته والتثبت من مصداقيته، ثُمَّ يَأتي بعد ذلك قضية النشر، وما إلى ذلك.
أمَّا في اليمن فهي مهنة المخاطر، والاعتقال، والإخفاء القسري؛ وُصُولاً إلى أحكام الإعدام؛ وقد صدر بحق كثيرين، وَقُتِلَ صحفيون تحت التعذيب في الشمال والجنوب، كما أنَّ المخفيين قَسريًّا بالعشرات، والإعدام المعنوي والأخلاقي الأخطر.
- كيف تقرأ تعامل السلطات مع الصحفيين والصحافة في اليمن؟
المعلومة محجوبة، ومحاولة الوصول إليها قد تصل إلى تُهم التَّجسُّس والخيانة الوطنية.
ينظر قادة المليشيات شمالاً وجنوبًا إلى العمل الصحفي كخطر يتهدد الحكم، وأنَّ الصحافة ضد أمن البلد وسلامته واستقراره.
إنَّ حُكمًا هنا أو هناك قائم على اغتصاب السلطة، ونهب الثروات، والارتهان للخارج، والنزول واللالتزام بخياراته.
يرى الحُكم في الصحافة والعمل الصحفي العدو الأول؛ فهو لديه أخطر من ساحات الوغى وميادين القتال؛ لذا فقد أوقِفَت الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية بشكل شبه كُلِّي، وهاجرت القنوات خارج الوطن، وجرى تمويت الصحافة المقروءة والمواقع أو هُجِّرَت، وَشُرِّدَ الصحفي هَربًا من التجويع والتنكيل، وخلت الساحة إلا من «المبندقين» وساستهم. فالمهنة خطرة حتى على الأتباع والموالين؛ فهم مُهمَّشُون وتحت المُسائلة.
- ما الذي تنقصه الصحافة اليمنية اليوم، وما أبرز احتياجاتها المهنية والمؤسسية؟
ما ينقص حياة الصحافة والصحفيين في اليمن ليس الحريات الصحفية فحسب، ولا حق الإصدار، ولا حق الحصول على المعلومة، ولا...، ولا...، ولا؛ فالأهم هي الحياة الآمنة والمطمئنة، وحق الحصول على العيش الكريم والسلامة.
- كيف تقرأ استمرار القمع والترهيب والسجن بحق الصحفيين في المرحلة الراهنة؟
أمَّا القمع في اليمن فممتد ومتواصل. فلم تعرف المتوكلية اليمنية شيئًا اسمُهُ حرية الصحافة، ولا أي حرية بأيِّ معنى. فالحريات التي عرفتها المستعمرة عدن، وإلى حَدٍّ مَا حضرموت غَيَّبَها الاستقلال الوطني في 1967 الذي ألغى التعددية السياسية والحزبية، وأقام نظام الحزب الواحد، وَهَمَّشَ أو ألغى حرية الصحافة؛ باعتبارها «ثرثرة برجوزاية». وهي جملة ثورية مستعارة ليس اليمن مكانها، ولا الزمن زمانها. فالحريات الصحفية في الجنوب اليمني كانت بوابة الثورة والحداثة وبناء الدولة العصرية الحديثة (دولة الاستقلال الوطني).
عدن الخمسينات.. حين كانت الرئة التي تتنفس منها الجزيرة العربية
- كيف تصف الصحافة اليمنية في مراحلها السابقة؟ وما تقييمك للصحافة اليمنية الحديثة والراهنة؟
ازدهرت الصحافة في عدن في الأربعينات والخمسينات وَشَطرًا من الستينات، وصدر في عدن ما يقرب من سبعين إصدارًا، وكان للتعددية السياسية والحزبية ومناخ الحرية الأثر الكبير على منطقة الجزيرة العربية كلها.
الصحافة العدنية كلها؛ وبالأخص «فتاة الجزيرة»، و«الأيام»، و«الرِّسَالة» و «الفضول » و « الأمل »، وعشرات غيرهن لها أبلغ الأثر في الحياة المدنية الفكرية والأدبية والثقافية والفنية، وإليها يعود الفضل في ازدهار الأدب الفكر، والتهيئة لنشأة النقابات والأحزاب والتعددية بمعانيها المختلفة، وبروز التيارات الثورية الإصلاحية والقومية واليسارية، وازدهار الأغنية العاطية والوطنية، وامتد الأثر إلى اليمن كلها ومختلف مناطق الجزيرة. فـ «حزب الأحرار»، وصحيفة «صوت اليمن» تأسستا في الأربعينات، و«رابطة أبناء الجنوب»، والأحزاب الحديثة: «البعث»، و«القوميين العرب»، و«الماركسيين»، و«التيار الناصري»، و«الإخواني»، والنقابات، وجمعيات المرأة تأسست في عدن. وكلها خلفية الثورات اليمنية: 1948، و 1955، و 1962.
- وما تقييمك للصحافة اليمنية الحديثة والراهنة؟
الصحافة الحديثة مُعَاقَة، وتواجه بالأميَّة بمعنييها، وبضعف الإمكانات، والقمع، ومصادرة الحرية. والفترة التي نشأت فيها كانت قصيرة لا تتجاوز أصابع اليدين. ومع ذلك، فقد لعبت الدور الأهم ضِدَّ الحرب، وتغول الفساد، والاستبداد، وكان حضورها فاعل في الربيع العربي في اليمن.
- كيف تقارن الصحافة اليمنية بالصحافة العربية، مثل الصحافة في بيروت على سبيل المثال؟
لا وَجَهَ للمقارنة بين الصحافة اللبنانية والعربية بصورة عامة، والصحافة اليمنية. فالصحافة اللبنانية هي الأم الحقيقية للصحافة في المشرق العربي. الصحفيون اللبنانيون من أهم المؤسسين للصحافة العربية. فالأخوين: بشارة وسليم تقلا هما مؤسسا صحفية «الأهرام»، وجرجي زيدان مؤسس «دار الهلال»، المُؤَسِّسَة لعدة صحف من أهمها: «المقتطف»، و«المصور»، و«حواء»، و«أخبار الفن». وفاطمة اليوسف ابنة طرابلس لبنان هي المؤسسة لـ«روز اليوسف»، و«صباح الخير». فلا وَجَهَ للمقارنة بين الصحافة اللبنانية والمصرية وشقيقتهما اليمنية.
الصحافة كطريق للعلم وساحة للمواجهة
- هل تشعر أن العمل الصحفي، خصوصاً كرئيس تحرير مثل صحيفة الثورة وغيرها من المناصب التي تقلدتها في الصحافة، قد أشبع موهبتك وغريزتك الإبداعية؟ وما الذي قدمته الصحافة لك، وما الذي أخذته منك؟
هناك قول مأثور: «منهوم لا يشبع أبدًا: طالب علم، وطالب دنيا». وميزة الصحافة أنها تجمع المفهومين مَعًا. وحكام اليمن حُرَّاس جهنم يئدون المنهومين؛ ليحتكروا النهم الدنيوي بالحق وبالباطل، وبالباطل أكثر.
رحيل الحبر وبقاء الأثر
في ختام حوارنا مع الأستاذ عبدالباري طاهر، يتبين لنا أن الوجع الذي تعيشه الصحافة اليمنية اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو ضريبة باهظة يدفعها "أصحاب القلم" في وطنٍ يرى فيه البعض أن الكلمة أخطر من الرصاصة.
يغادرنا "طاهر" بكلمات تصف الواقع بدقة مؤلمة، لكنها تحمل في طياتها صمود المثقف الذي لا ينكسر؛ فبرغم أن الصحافة المقروءة قد "تُموت" والقنوات قد "تُهجّر"، إلا أن ذاكرة التاريخ لا تموت، وتظل تجربة عبدالباري طاهر شاهداً حياً على أن "المنهوم بالعلم والحرية" لا يمكن أن يشبع أو يتوقف، مهما بلغت سطوة القمع.