صنعاء 19C امطار خفيفة

وليد عياش لـ«النداء»: حماية حقوق الأقليات حجر الزاوية  للسلام في اليمن

وليد عياش لـ«النداء»: حماية حقوق الأقليات حجر الزاوية  للسلام في اليمن

في ظل الصراعات والانقسامات واشتداد لغة التحريض والكراهية التي تهدد التنوع الديني والاجتماعي في اليمن، تتشابك التحديات الحقوقية والاجتماعية وتبرز حرية المعتقد واختيار الدين كقضية مركزية تمس جوهر كرامة الإنسان. وفي حوارها مع الشيخ وليد صالح عياش رئيس مؤسسة نداء للتعايش والبناء وأمين عام المجلس الوطني للأقليات في اليمن، تفتح "النداء" أحد أكثر الملفات حساسية في الواقع اليمني والمتعلق بأوضاع الأقليات الدينية وحرية المعتقد في ظل الحرب والانقسام.

من توصيفه للوضع الراهن بوصفه «الأكثر قتامة» في تاريخ اليمن الحديث إلى قراءته لتهجير يهود اليمن ومعاناة البهائيين والمسيحيين، يقدم عياش شهادة حقوقية وإنسانية على مسار متصاعد من القمع والتهجير وخطاب الكراهية وما خلّفه ذلك من تجريف للتنوع التاريخي الذي عرفت به اليمن. كذلك أنماط الاضطهاد التي طالت الأقليات خلال السنوات الأخيرة، وتداعياتها على التعددية والاستقرار، ودروس قضية المهجّرين في بناء دولة المواطنة، وصولًا إلى استشراف مستقبل الأقليات في يمنٍ يستعيد تعدده ويحمي جميع أبنائه دون تمييز.

وليد عياش
التعايش والسلم الاجتماعي

  • في ظل الانقسامات الحادة والبيئة السياسية المستقطبة التي شهدتها اليمن منذ عام 2013، كيف استطاعت مؤسسة "نداء" للتعايش والبناء، الحفاظ على حيادها واستقلاليتها دون الانجراف خلف أي طرف؟

الحفاظ على الحياد في بيئة مستقطبة هو خيارنا الاستراتيجي للصمود. اعتمدنا في "نداء" على ركائز أساسية: اعتماد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي كمسطرة وحيدة، وخطاب موجه للإنسان بغض النظر عن الخلفية، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، والالتزام بالرصد الموضوعي والتوثيق الدقيق للانتهاكات بعيداً عن التسييس، إلى جانب استقلال فكري إنساني يؤمن بوحدة الجنس البشري. اخترنا أن نكون الوسط الذي يلتقي فيه الجميع، فالحياد لدينا انحياز كامل لقيم السلم والمواطنة وحقوق الإنسان.

  • هل لديكم أمثلة واقعية عن إنجازات المؤسسة في دعم الأقليات وتقريب وجهات النظر بين مختلف فئات المجتمع؟

خلف كل نجاح قصة إنسان استعاد كرامته. من أبرز ما حققته المؤسسة: إنشاء مظلة موحدة للأقليات عبر المجلس الوطني للأقليات الذي جمع ممثلي البهائيين والمسيحيين واليهود والمهمشين والمولدين في كيان قانوني وصوت موحد يخاطب الأمم المتحدة والحكومة. كما نجحت "نداء" في الحماية المجتمعية للأقليات، فعقب اعتقال بهائيين في صنعاء عام 2023، فتحت المؤسسة حواراً مع زعماء قبائل مستنداً إلى الأعراف القبلية، مما ساهم في تحسين ظروفهم والإفراج عن عدد منهم. بالإضافة إلى ذلك، تم تحويل قضية الأقليات إلى قضية رأي عام وطني ودولي عبر تفعيل دور الناشطين والإعلاميين، والإصدارات الدورية، والمشاركة في مجلس حقوق الإنسان والمنتدى الدولي للأقليات والندوات الدولية. على صعيد آخر، ارتفعت مشاركة النساء في فضاءات الحوار ضمن برنامج "حوار شفاف" من مشاركة واحدة عام 2023 إلى سبع مشاركات قياديات عام 2025، في تحول بارز من الخوف إلى القيادة الفكرية.

يهود اليمن 2016 -  وكالات
توحيد صوت الأقليات

  • بصفتك أميناً عاماً للمجلس الوطني للأقليات، حدثنا عن دور المجلس في الدفاع عن حقوق الأقليات الدينية في اليمن؟

يُعد المجلس الوطني للأقليات الذي ساهمت مؤسسة "نداء" في تأسيسه، تحوّلًا استراتيجيًا في مسار الحركة الحقوقية اليمنية. وقد نقل قضايا الأقليات من المناشدات الفردية إلى العمل المؤسسي، ليغدو منصة جامعة تقوم بأدوار رئيسية: توحيد صوت الأقليات في كتلة حقوقية واحدة، تمثيلهم دولياً والتواصل مع المفوضية السامية والمبعوث الأممي والمنظمات الدولية، توثيق الانتهاكات وإصدار تقارير للمساءلة، وممارسة الضغط والمناصرة القانونية داخلياً ودعم المعتقلين وتوعية المجتمع بأن الأقليات جزء أصيل من النسيج الوطني. كما يؤكد المجلس أن مطالبه ليست امتيازات بل مطالب كرامة ومواطنة متساوية، مع نقاش داخلي لتطوير الاسم بما يعكس رسالة وطنية جامعة.

  • كيف ساهم هذا المجلس في مناصرة قضية الأقليات اليمنية؟

عمل المجلس على تحويل قضية الأقليات من جدال ديني أو سياسي إلى قضية حقوقية ترتكز على المواطنة والقانون الدولي، وتزويد الناشطين بالأدوات القانونية لكسر التحفظ المجتمعي، وتسليط الضوء على المعاناة اليومية للأقليات بالتعاون مع قادة الرأي والمجتمع المدني، مما ساهم في خلق رأي عام حقوقي يقر بحقوقهم كشركاء أصيلين بعد أن كانت معاناتهم تُغيب.
العمل في ملف الأقليات يشبه السير في حقل ألغام. وأبرز الصعوبات التي واجهتنا تتمثل في تعدد السلطات والأيديولوجيات مما يضعف التأثير، التحريض الممنهج وإنكار وجود الأقليات وما يسببه من ضغط وخوف دائم، هشاشة القوانين وغياب نصوص تجرّم التمييز ووجود نصوص مطاطية، صعوبة التوثيق بسبب خوف الضحايا والقبضة الأمنية، محدودية الموارد مع تركّز الدعم الدولي على الإغاثة، ونفي قادة الأقليات في الشتات مما يصعّب التواصل مع الداخل خاصة في مناطق سيطرة الحوثيين.

بهائيو اليمن قبل تهجيرهم - وكالات

وضع الأقليات في اليمن

  • كيف تصفون الوضع الراهن للأقليات الدينية في اليمن ؟

الوضع الحالي للأقليات الدينية في اليمن هو الأكثر قتامة وحرجاً في تاريخ البلاد الحديث، مع تهديد وجودي حقيقي. غياب الدولة ومؤسساتها الدستورية جعل الأقليات مثل البهائيين والمسيحيين واليهود أهدافاً سهلة للخطاب التحريضي. القمع الممنهج في مناطق سيطرة الحوثيين يشمل الاعتقالات التعسفية، والمحاكمات الجائرة، ومصادرة الممتلكات، وأصبح ممارسة الشعائر الدينية ممكنة فقط في سرية تامة وبخطر شديد. الحرب جرفت قيم التسامح التقليدية، وخطاب الكراهية عزّل الأقليات اجتماعياً، وأجبرت العديد من العائلات على مغادرة اليمن. الحرية الدينية اليوم مصادرة، وممارسة الشعائر تحولت إلى مغامرة مكلفة، ما يجعل عمل مؤسسة "نداء" والمجلس الوطني للأقليات معركة لاستعادة روح وتنوع اليمن التاريخي.

  • ما هي أبرز الانتهاكات أو أشكال التمييز التي تعرضت لها الأقليات الدينية في اليمن خلال السنوات الأخيرة؟

الانتهاكات ليست حوادث معزولة بل أنماط متكررة تهدف لتجريف التنوع اليمني، منها الاعتقالات التعسفية والتعذيب على خلفية المعتقد، واستخدام القضاء كأداة قمع سياسي وديني مع صدور أحكام بالإعدام بتهم جاهزة، والتهجير القسري ونفي القيادات والأسر البهائية، والاستهداف المزدوج للمرأة عبر القمع الاجتماعي والسياسي، ومصادرة الممتلكات والحرمان الاقتصادي، والتحريض الإعلامي والمنابري لتشويه صورة الأقليات وشرعنة العنف ضدهم.

  • ما هي المناطق في اليمن التي تشهد أعلى مستويات التمييز الديني أو الانتهاكات ضد الأقليات؟

مناطق سيطرة الحوثيين تُعد بؤرة الاضطهاد الديني للأقليات، حيث تشهد سياسة ممنهجة لاستهداف البهائيين والمسيحيين وما تبقى من اليهود، باستخدام أجهزة المخابرات والقضاء لإصدار أحكام بالإعدام، ومصادرة الممتلكات، والتهجير القسري. تُستغل المناهج الدراسية والمنابر الدينية لنشر فكر أحادي يقصي "الآخر"، والاضطهاد موجود أيضًا في مناطق تسيطر عليها جماعات متطرفة، مما يضطر الأقليات للعيش في اختفاء كامل وممارسة شعائرهم في سرية خوفاً من القتل.

  • ما تعليقكم على تهجير الحوثيين لآخر من تبقى من يهود اليمن؟

تهجير يهود اليمن كان جرحًا عميقًا في الذاكرة الوطنية وعلامة فارقة في مجتمع كان نموذجًا للتنوع الديني والثقافي. خروجهم القسري لم يكن خسارة لهم وحدهم، بل لليمن ذاته، إذ أن التنوع أحد أعمدة الاستقرار والازدهار والسلام. غيابهم أدى إلى انكماش التعددية الثقافية والدينية، وتراجع ثقافة التسامح، وزيادة الانقسام والاستقطاب، ما يجعل المجتمع أكثر هشاشة أمام الأيديولوجيات الإقصائية. التنوع الديني والثقافي عامل استقرار سياسي وأمني، واستعادة احترامه شرط أساسي لأي مشروع وطني لبناء سلام مستدام، إذ يصبح مصدر قوة وإبداع حين يُصان ويحترم، وخسارة مشتركة حين يُلغى أو يُقمع.

بهائيون هجرهم الحوثيين

  • وبالنسبة للبهائيين الذين تم تهجيرهم أين يعيشون الآن؟

يعيش عدد من البهائيين الذين اضطروا لمغادرة اليمن في دول عربية وأوروبية وآسيوية، بعضهم حصل على حماية دولية أو صفة لجوء، فيما يقيم آخرون بطرق قانونية مختلفة. غادرتهم كانت نتيجة المخاوف المرتبطة بحرية المعتقد والسلامة الشخصية، وتندرج أوضاعهم ضمن اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين وبروتوكولها 1967، كما تكفل لهم المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وحقوق حرية الدين وفق العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

  • هل هناك أي تواصل بين المؤسسة أو المجلس والبهائيين المهجرين؟

نعم، هناك تواصل مستمر إنساني وحقوقي ومجتمعي، يقوم على روابط وطنية ومسؤولية مشتركة لتعزيز قيم المواطنة المتساوية وحرية المعتقد، ويشمل تبادل الخبرات والتنسيق لدعم ثقافة الحقوق استنادًا للمرجعيات الدولية التي التزمت بها اليمن.

  • كيف يمكن لقضية البهائيين أن تشكل نموذجًا لفهم أهمية حماية الأقليات وحقوق الإنسان في اليمن؟

انتهاك حقوق الأقلية يهدد حقوق الأغلبية لاحقًا، ويؤكد ضرورة استقلال القضاء وحماية حرية المعتقد، واستدعاء الأعراف الاجتماعية الإيجابية لتعزيز حماية الأقليات. رحيل البهائيين يعني فقدان كفاءات وطنية ومساهمات مجتمعية، وحماية التنوع الديني شرط أساسي لاستقرار الدولة والمجتمع، وصوت تحذيري من استمرار الظلم والصمت عنه.

  • ما تفاصيل الاعتقالات الأخيرة التي طالت معتنقي المسيحية في مناطق سيطرة الحوثيين؟

نعم، هناك حملات اعتقال ممنهجة طالت المسيحيين في مناطق سيطرة الحوثيين منذ السنوات الأولى لسيطرتهم على صنعاء، بهدف الضغط عليهم للتخلي عن معتقدهم، وهو انتهاك صريح لحرية الدين. استمرت الاعتقالات بشكل متقطع، وشملت نحو خمسين شخصًا مؤخراً، مع نزوح داخلي لحوالي مئة آخرين خوفًا من الاعتقال. وأكد المجلس الوطني للأقليات أن هذه الممارسات تمثل اضطهادًا دينيًا وتستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لحماية التعدد الديني وكرامة الإنسان.


حماية حرية المعتقد

  • ما هي الخطوات والإجراءات التي تقترحونها لضمان حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية لكل اليمنيين بغض النظر عن دينهم؟

لضمان حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية بشكل مستدام، نوصي بإجراءات على أربعة مستويات:
تشريعياً ودستورياً: تضمين نصوص صريحة تكفل الحرية الدينية، تجريم التحريض والتمييز الديني، وضع عقوبات رادعة لمن يمارس التكفير أو التخوين، وإلغاء القوانين التي تعاقب الأفراد على معتقداتهم، وضمان استقلال القضاء عن القمع الأيديولوجي.
تعليمياً وتربوياً: تنقية المناهج من أي محتوى إقصائي، تعليم قيم المواطنة والتفكير النقدي، تدريس حقوق الإنسان، واستعادة دور الأقليات التاريخي في الحضارة اليمنية، وغرس الاعتزاز بالتنوع بحيث يُنظر إلى الآخر كشريك في البناء لا عدواً.
مؤسسياً وخدمياً: ضمان استقلال مؤسسات الدولة، كفالة حق الأقليات في دور العبادة وممارسة شعائرهم بأمان، حظر استخدام أماكن العبادة للتحريض، وضمان حصول الجميع على الوثائق الرسمية دون تمييز.
مجتمعياً وحقوقياً: دعم المنظمات المستقلة مثل مؤسسة نداء والمجلس الوطني للأقليات للرقابة والرصد والوساطة، وتفعيل الحماية المجتمعية عبر إشراك المجتمع والقيادات القبلية في حماية التنوع الديني وكسر حواجز الخوف والارتياب.

  • ما هي الرسالة الأساسية التي توجهونها إلى الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي لتعزيز حماية الأقليات الدينية وضمان حقوقهم؟

رسالتنا للحكومة اليمنية: المواطنة لا تنتظر السلام، لذا يجب البدء فوراً بإصلاحات قانونية وسياسية تضمن احترام حقوق الأقليات وتجرم التمييز والتحريض، مع إشراك ممثلي الأقليات في أي مفاوضات وطنية.
ورسالتنا للمجتمع الدولي: بيانات الإدانة لا تكفي أمام محاكمات الإعدام والتهجير القسري؛ نطالب بضغط حقيقي على الجماعات المتطرفة لوقف الاضطهاد، واعتبار الانتهاكات ضد الأقليات جرائم حرب وضمان محاسبة المسؤولين، مع الاستثمار في صناعة الوعي ومناهج تعليمية تبرز الدور التاريخي للأقليات في الحضارة اليمنية.

مستقبل الأقليات الدينية في اليمن

  • كيف ترون مستقبل الأقليات الدينية في اليمن، وما مدى التفاؤل بإمكانية تحسين وضعهم القانوني والاجتماعي في السنوات المقبلة؟

الوضع الحالي للأقليات الدينية في اليمن هو الأكثر قتامة وحرجاً في تاريخ البلاد الحديث، مع تهديد وجودي حقيقي. غياب الدولة ومؤسساتها الدستورية جعل الأقليات مثل البهائيين والمسيحيين واليهود أهدافاً سهلة للخطاب التحريضي. القمع الممنهج في مناطق سيطرة الحوثيين يشمل الاعتقالات التعسفية، المحاكمات الجائرة، ومصادرة الممتلكات، وأصبح ممارسة الشعائر الدينية ممكنة فقط في سرية تامة وبخطر شديد. الحرب جرفت قيم التسامح التقليدية، وخطاب الكراهية عزّل الأقليات اجتماعياً، وأجبرت العديد من العائلات على مغادرة اليمن. الحرية الدينية اليوم مصادرة، وممارسة الشعائر تحولت إلى مغامرة مكلفة، ما يجعل عمل مؤسسة "نداء" والمجلس الوطني للأقليات معركة لاستعادة روح وتنوع اليمن التاريخي.

من معتنقي الديانة المسيحية في اليمن - منصات
على الرغم من هذا الواقع الصعب، نؤمن أن التغيير ممكن بإرادة وطنية صلبة وضغط دولي مستمر. الوعي الشعبي، خصوصًا بين الشباب، بدأ يدرك أن قمع الأقليات يعني قمع حرية الجميع. نطمح ليمن يجرم التمييز والتحريض، ويضمن عودة المنفيين وتوفير حقوقهم المعنوية والمادية. دور الفضاء الرقمي يتزايد في حماية الأقليات وتمكينها من إيصال صوتها وبناء شبكات تضامن. الكيانات الحقوقية مثل المجلس الوطني للأقليات ومؤسسة نداء تشكل علامة أمل، إذ انتقلت الأقليات من مرحلة الضحية الصامتة إلى شريك حقوقي ومفاوض.

الكلمات الدلالية