صنعاء 19C امطار خفيفة

غياب الحرية في اليمن وخنق صوت النقد والمعارضة(2-14)

في ماراثون الصراع بين السلطة والشعب رأينا فيحلقة سابقةالحال في نظر الاتجاه الذي يذهب إلى ترجيح الإذعان للحاكم وعدم معارضته، لكن إذا نظرنا إلى الاتجاه الآخر فالموقف سيتغير؛ فهناك من يقول إنه لا يجب أن ندع السلطة تضطهد الشعب وتبدد أحلامه: "السلطة هي التي تمنع الناس من تحقيق أحلامهم".

يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: "إن الإنسان هو الذي يصنع مصيره"، ويقول كارل ماركس: "إن السلطة هي التي تفسد الناس، وليس الناس الذين يفسدون السلطة". الطغاة لا يرحبون بالنقد، ويقصون من يعارضهم، وينهجـون مع المعارضين ما هو أبعد من الإقصاء، بمسميات عديدة ما أنزل الله بها من سلطان. وتحضرني هنا كلمة حق للأستاذ حسن الدولة قالها في حواره الشيق مع الدكتور أكرم الأغبري منذ عشر سنوات، ونشرها في أكثر من مجموعة في الواتساب، ذكر فيها أن: "ادعاء الحكم الإلهي، وفرض طاعة الحاكم الظالم، وابتداع نظريات العصمة والقرشية والعلوية، وإقصاء المخالفين وتكفيرهم، كلها انحرافات تاريخية لا سند لها من جوهر الإسلام. وليس من قبيل المصادفة أن يقرر الشهرستاني أن السيف لم يُسلّ، ولا الدم أُريق في تاريخ الإسلام إلا بسبب الحكم". والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي يقول: "السلطة لا تمنح شيئًا مجانًا...". هذا الاتجاه يتفق مع ما يقول به المذهب الزيدي في جواز الخروج على الحاكم الظالم.
وروى الحاكم في المستدرك أن الرسول، عليه الصلاة والسلام، قال: "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" (رواه الحاكم). ورواه الترمذي في سننه عن جابر رضي الله عنه بسند صحيح. فهذا الحديث يدل، كما يذهب أنصار هذا الاتجاه، على أن النبي ﷺ يثني على الرجل الذي يقوم إلى إمام جائر (ظالم)، فينتقده ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.
فهذا سعيد بن جبير، رحمه الله، الذي عارض بني أمية في ظلمهم، قد قام إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي كان واليًا من قبل بني أمية، معارضًا له في ظلمه وظلم بني أمية؛ فما كان من الحجاج إلا أن قام بقتله. وهذه القصة مشهورة معروفة في كتب التاريخ، وليرجع من أحب الوقوف على تفاصيلها إلى كتاب الإسلام بين العلماء والحكام لعبد العزيز البدري.
فسعيد بن جبير هذا له منزلة كبيرة عند الله تعالى في الآخرة؛ لأنه سيكون في الجنة جنبًا إلى جنب مع سيد الشهداء حمزة عمّ النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الاتجاه لا يركن إلى أن السلطة تستجيب لمطالب الشعب لمجرد تبني المعارضة لها، ويرى أن الثورة هي الطريق الأمثل والحقيقي لنيل الشعوب حريتها؛ كون الحريات لا توهب، وإنما تُنتزع من غاصبيها، وأن الشعوب هي المعنية مباشرة بتقرير مصيرها وبصناعة مستقبلها.
وعلى هذا فنحن نصنع مصيرنا، ولن يصنعه أحد غيرنا. نحن نصنع التغيير لا سوانا، نحن نأخذ حقنا الطبيعي في العدالة والحرية والكرامة. وصدق الله القائل: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد: 11].
وبالتالي فلا يجوز أن نستسلم للجهل ولا للفساد.
إننا نريد أن نكون كما أراد الله لنا أن نكون (في أحسن تقويم)، أحرارًا كما خلقنا، لا كما يريدنا الحكام الظالمون الفاسدون، الذين يريدوننا أن نكون (في أسوأ تقويم)، عبيدًا يقودنا الأسياد.
يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في هذا المعنى: "الإنسان هو الجسر بين الوحش والملاك".
نحن نريد أن نتجاوز الوحشية ونرتقي بآدميتنا لنقترب من الملائكة، غير أن السلطة تتبنى العنف المفرط تجاه مطالبنا، ونريد أن نصبح أحرارًا دون خوف، وتأبى السلطة إلا أن نكون رعاعًا رعاديد. نريد الحرية والعدالة، وما هذا على الله بعزيز. فقد قيل، وبحق: إن "الخوف هو العدو الأول للحرية".
ينبغي ألا نخاف، وأن نقف بصلابة الرجال الأحرار في وجه الخوف؛ لنلفت انتباه الحكومة الفندقية والميليشيات الانقلابية، ولنصنع التغيير، فالمستقبل بأيدينا، وسيكون الله معنا كما قال الشاعر العربي أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر.
وقال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر:
"الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا".
فيجب أن نكون أحرارًا. وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب القائل لابن عمرو بن العاص:
"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!"
يجب علينا أن نستمر في النقد البناء، وأن نرفع صوتنا ضد الفساد، وضد الاستبداد، وضد الكهنوت، حتى وإن كان صوتنا قد ضاع في فراغ من الصمت والتجاهل.
يجب أن نستمر ما دمنا نريد الحياة الكريمة، وما دمنا نريد الحرية ونريد العدالة، فلا نيأس؛
(فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).
والله من وراء القصد.

الكلمات الدلالية