صنعاء 19C امطار خفيفة

المعتزلة.. العقل الذي أفلت من أصحابه

المعتزلي لا يمشي في طرق الفكر لكنه يجرها خلفه جراً كمن يتعامل مع الطريق بوصفه اقتراحاً قابلاً لإعادة الصياغة. يتحدث عن نفسه بوصفه من جماعة العدل والتوحيد، عدل يرفض الاختباء وراء الغيب وتوحيد يطارد كل صورة تتسلل من لغة البشر إلى السماء. عقلهم يفضل الضوء على الظلال، ضوء يكشف ما يعتبره الآخرون يقيناً ويقلق من يفضل الأمان على مغامرة الفهم.

في البصرة ظهرت الحكاية الأولى حول مجلس الحسن البصري العامر بالقلق والأسئلة. وقف واصل بن عطاء الرجل الذي احتفظ التاريخ بلسانه الفصيح رغم لثغته وقال رأياً في مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر. بدا الرأي تمريناً لغوياً لكنه كان في جوهره خطوة فردية نحو استقلال فكري. ومع أن اعتزال واصل كان مجرد موقف شخصي إلا أن الزمن حوله تدريجياً من حركة انسحابية إلى منهج في التفكير بدأ بخطوة إلى خارج الحلقة وانتهى بفلسفة تُجادل الداخل والخارج معاً.
ظهر المعتزلة في زمن كان العقل فيه يتيماً والفقهاء يتجادلون حول تفاصيل ترهق الخيال. كانت أسئلة الحرية والقدر وصفات الإله والإيمان والسياسة تتكاثر، والعقل يظهر كأداة ترتيب لا كضيف طارئ. أفكارهم بدت كأنها خرجت من مختبر فيلسوف مراهق، القرآن مخلوق والعقل حكم في فهم النص، وكل حلقة تجر التالية وكل نتيجة تظهر كمعادلة مكتوبة بعناية. منطق بسيط لكنه خطير لدرجة أن الخلفاء الذين تبنوه جعلوه نظام تشغيل للدولة ثم انقلب الزمن عليهم فجعل المعتزلة بين ليلة وضحاها جناة لا مفكرين. ربما أن التاريخ أراد معاقبتهم على جرأتهم العقلية فطردهم من دائرة السلطة كما طُرِد واصل من حلقة شيخه.
ثمة شيء محزن وبارع في آن واحد في قصة المعتزلة حين حاولوا أن يعقلنوا الإيمان فوجدوا أنفسهم غرباء بين المتدين والمتفلسف. الأول يراهم متمردين على النص، والآخر يراهم خجولين من جرأتهم. حتى حين أثّروا في تيارات مثل الزيدية عبر فكرة العدل ومسؤولية الإنسان بدا التأثير كحوار جيران يذكّر كل طرف الآخر بأنه بالغ قليلاً في ثقته بالعقل أو بالسيف.
تنزيههم الصارم بدا عند خصومهم تجريداً مفرطاً، وتقديم العقل في التأويل بدا انقلاباً في سلم السلطات، أما خلق القرآن فتحول إلى تهمة بدعة، وذكريات المحنة ظلت كظل طويل. ومع ذلك بقيت أدواتهم في التداول. مدارس لاحقة ورثت هذه الأدوات حتى حين أعلنت اختلافها، وكأن المعتزلة صاروا طبقة خفية في التربة الفكرية.
المعتزلة سواء أحببناهم أم ضقنا بهم كانوا تجربة فكرية أقدم عليها العقل الإسلامي ثم نسي كيف يعيدها. أرادوا منح الإنسان مسؤولية كاملة فاتهمهم الجميع بالغرور. حاولوا رفع النص إلى مستوى الفلسفة فاتهمهم آخرون بتدنيس المقدس. ورغم ذلك بقيت المدرسة كأنها جملة اعتراضية في كتاب ضخم تشبه الحقيقة لكنها تزعج كل من يقرأها وكأنها ما زالت تبحث عن قارئ لا ينزعج منها.

الكلمات الدلالية