هل تسببت ثورة 11 فبراير بخراب اليمن؟
بعد خمسة عشر عامًا على اندلاع ثورة الحادي عشر من فبراير، ما يزال الجدل قائمًا حول مآلاتها وتأثيرها على حاضر اليمن ومستقبله. الثورة التي أطاحت بالرئيس الراحل علي عبدالله صالح بعد ثلاثة وثلاثين عامًا في الحكم، انطلقت من ساحات التغيير في صنعاء ومدن عدة، حيث خرج آلاف الشباب بصدور عارية، مدفوعين بأحلام بناء دولة مدنية حديثة تكفل الحرية والكرامة والعدالة.
شاركت في الحراك قوى سياسية ومكونات مجتمعية متنوعة، مدنية وعسكرية وقبلية، وتقاطعت تطلعاتهم عند هدف واحد: كسر الجمود السياسي وإنهاء الفساد وبناء دولة مؤسسات. غير أن تلك الآمال اصطدمت بحرب مدمرة أجهزت على مقدرات اليمنيين، وأدخلت البلاد في دوامة صراع ما تزال تداعياتها مستمرة، لتتحول ذكرى الثورة في كل عام إلى مناسبة لإعادة طرح السؤال: هل كانت فبراير سبب الانهيار، أم أن الانهيار نتاج تداخلات داخلية وخارجية أعاقت مسار التغيير؟
ثمن الثورة
عدد من قيادات ورموز الثورة يعيشون اليوم بين منفى ولجوء وملاحقات، وهو ما يراه الكاتب والباحث الدكتور صالح الصريمي نتيجة طبيعية لخوض فعل ثوري مكلف. ويؤكد في حديثه لـ«النداء» أن الثورات لا تمر بلا أثمان، وأن الانحياز للتغيير والدولة كان خيارًا وطنيًا فرض تبعاته.
من جهته، يعتبر الكاتب الصحفي أشرف الريفي أن ثورة فبراير لم تكن حدثًا عابرًا، بل تعبيرًا صادقًا عن تراكمات من الإحباط والفساد وتآكل مؤسسات الدولة. ويصفها بأنها "انفجار أخلاقي" سبق أن يكون حراكًا سياسيًا، إذ توحدت في ساحاتها فئات المجتمع المختلفة، في لحظة نادرة تجاوزت الانقسامات الضيقة ورفعت اليمن بوصفه حلمًا جامعًا.
بين التغيير والسلطة
يشير الباحث في شؤون الإسلام السياسي أحمد الزرقة إلى أن الثورات تسقط أنظمة لكنها لا تبني الدولة تلقائيًا. ويؤكد لـ«النداء» أن فبراير لم تنطلق بوصفها مشروع حكم تقليدي، بل انتفاضة شعبية رفعت شعارات المواطنة المتساوية، ودولة القانون، والحريات العامة، وإنصاف المظلومين، وإحياء مبادئ ثورتي سبتمبر وأكتوبر.
ويرى الزرقة أن تقييم الثورة بمعيار "الوصول إلى السلطة" يختزل معناها؛ إذ لم تكن مشروعًا للاستحواذ على الحكم، بل فعلًا تحرريًا مجتمعيًا. غير أن السنوات التالية شهدت - وفق تحليله - تفريغًا للمجال السياسي من أدواته، وإضعافًا للقوى المدنية، وصعودًا لمنطق الغلبة المسلحة، ما أتاح لشبكات النفوذ القديمة العودة بأشكال مختلفة، مستفيدة من اقتصاد الحرب والتدخلات الخارجية، لتتحول اليمن إلى ساحة توازنات نفوذ بدل أن تكون مسارًا لبناء دولة.
بينما يرى الصحفي محمد العامري أن ما جرى بعد فبراير لم يكن صراعًا خالصًا بين شعب ونظام، بل تنافسًا بين أطراف داخل السلطة، أحدها سعى للبقاء، وآخر حاول القفز إلى الحكم مستفيدًا من موجة الغضب الشعبي. ويضيف أن التدخلات الإقليمية والدولية غذّت الانقسام، وعمّقت الانهيار، وفتحت المجال لقوى مسلحة لتكريس نفوذها.
في المقابل، يؤكد أشرف الريفي أن الثورة حققت هدفًا مفصليًا بإزاحة رأس النظام وكسر حاجز الخوف وفتح المجال العام، غير أن هذا النجاح بقي جزئيًا، إذ لم يُستكمل ببناء دولة مدنية عادلة ومؤسسات قوية تعبّر عن روح فبراير. ويرى أن مسار الاحتواء الحزبي والتقليدي حال دون تحقيق تحول جذري، وأعاد إنتاج ممارسات الماضي بوسائل جديدة.
أما الزرقة فيربط مستقبل فبراير بقدرة اليمنيين على إعادة بناء السياسة خارج منطق السلاح، عبر تنظيم مدني ونقابي فاعل، وخطاب برامجي، ورقابة حقيقية على السلطة والمال العام، ومسار واضح للعدالة والمساءلة يضع حدًا للإفلات من العقاب. حينها – كما يقول – تتحول فبراير من مجرد ذكرى إلى معيار حاكم، ومن لحظة احتجاج إلى قاعدة دولة تمنع الارتداد.
وبين الاتهام والتبرئة، تبقى ثورة 11 فبراير محطة مفصلية في التاريخ اليمني الحديث، فتحت الباب أمام تغيير طال انتظاره، لكنها اصطدمت بتعقيدات الداخل وتشابكات الخارج، لتظل الإجابة عن سؤال "من المسؤول؟" مرهونة بقراءة أشمل لمسار دولة لم تكتمل ملامحها بعد.