قراءة في مشروع مذكرة التفاهم الجيولوجية السعودية مع اليمن
أقر مجلس الوزراء السعودي، أمس الثلاثاء، تفويض وزير الصناعة والثروة المعدنية بالتباحث مع الجانب اليمني حول مشروع مذكرة تفاهم في المجال الجيولوجي، في خطوة تبدو – من حيث الشكل – تقنية ومهنية، لكنها في جوهرها تتصل بواحد من أكثر الملفات حساسية في الدول الغارقة في النزاعات: ملف المعرفة بالموارد الطبيعية.
في السياق الطبيعي للدول المستقرة، تعد مذكرات التفاهم الجيولوجية مدخلا للتعاون العلمي، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات الوطنية في مجالات المسح الجيولوجي واستكشاف الثروات المعدنية. غير أن السياق اليمني الحالي يفرض قراءة أكثر حذرا، لا تنطلق من التشكيك، ولكن من إدراك اختلال موازين القوة، وتفاوت القدرات المؤسسية، وغياب الإطار السيادي المكتمل لإدارة الموارد.
الجيولوجيا معرفة قبل أن تكون ثروة
الجيولوجيا إلى جانب كونها علم يدرس طبقات الأرض، هي أيضا منظومة معرفة تحدد لاحقا مسارات الاستثمار، وحدود التفاوض، وأوزان الشراكات.
فمن يمتلك الخرائط والبيانات والتحليل، يمتلك – عمليا – القدرة على صياغة المستقبل الاقتصادي المرتبط بالموارد.
ففي حالة اليمن، تتضاعف حساسية هذا الأمر بسبب تآكل وضياع الأرشيف الجيولوجي الوطني، وتوقف أعمال المسح منذ سنوات طويلة، وغياب هيئة مركزية فاعلة قادرة على إدارة البيانات وفق معايير سيادية صارمة. من هنا، لا يكمن الخطر المحتمل في التعاون ذاته، بل في طريقة إدارة المعرفة الناتجة عنه.
لماذا الآن؟ قراءة في التوقيت
يأتي هذا التوجه في لحظة تشهد فيها السعودية توسعا استراتيجيا في قطاع التعدين ضمن رؤية 20–30، وسعيا لتأمين مصادر جديدة للمعادن الاستراتيجية، في ظل التحولات العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد والطاقة المتجددة.
وبالنظر إلى أن اليمن والسعودية يشتركان في نطاق جيولوجي واحد ضمن شبه الجزيرة العربية، فإن أي تعاون جيولوجي لا يمكن فصله عن الاعتبارات العابرة للحدود؛ وهذا لا يعني بالضرورة تعارض المصالح، لكنه يستدعي وضوحا مضاعفا من الجانب اليمني حول موقعه في هذه المعادلة، وحدود ما يقدمه وما يحتفظ به.
سؤال الصلاحيات والتمثيل
من القضايا الجوهرية التي يفرضها هذا النوع من التفاهمات: من يملك حق التباحث والتوقيع؟ وبأي تفويض؟
حيث لا يمكن فصل توقيت هذه الخطوة عن التحولات الأوسع في سياسات الموارد والطاقة إقليميا ودوليا.
فمذكرات التفاهم، وإن كانت غير ملزمة استثماريا، إلا أنها تؤسس لمسارات طويلة الأمد، وقد تستخدم لاحقا كمرجع تقني أو سياسي عند الانتقال إلى اتفاقيات أكثر إلزاما.
يصبح من الضروري تحصين أي تفاهم من خطر تحوله إلى التزام غير مدروس تتحمله الدولة اليمنية مستقبلا، خصوصا في ظل واقع سياسي منقسم، ومؤسسات سيادية غير مكتملة.
نحو تعاون آمن ومنتج
يمكن أن يشكل التعاون الجيولوجي فرصة حقيقية لليمن إذا أدير ضمن شروط واضحة، أبرزها:
تثبيت الملكية اليمنية الكاملة لكل البيانات والخرائط والنتائج.
حظر استخدام أو مشاركة المعلومات خارج إطار المذكرة دون موافقة يمنية صريحة.
إشراك الكوادر والجامعات اليمنية كشركاء لا كمستفيدين ثانويين.
النص بوضوح على أن مذكرة التفاهم لا يترتب عليها أي حقوق استثمارية تلقائية.
إخضاع أي خطوة لاحقة لإطار قانوني وطني ومراجعة مؤسسية مستقلة.
إن مذكرة التفاهم الجيولوجية المقترحة ليست ملفا تقنيا معزولا، بقدر ما هي جزء من معركة هادئة على من يمتلك معرفة ما تحت الأرض اليمنية، ومن يقرر كيف ومتى تستثمر.
وينطوي التعامل معها بعقلية الفرصة وحدها على مخاطر، كما أن رفضها بدافع الريبة يفوت إمكانات مهمة.
إن الطريق الآمن يمر عبر إدارة ذكية للمعرفة، وتحصين السيادة، ووضوح المصالح؛ ففي ملفات الموارد تبدأ الخسارة عند التفريط بالمعلومة، وليس توقيع العقود.