هل المحاصصة الجغرافية والحزبية في اليمن ضرورة انتقالية أم عبء سياسي؟
في كل مرحلة انتقالية تمر بها الدول التي تعيش مرحلة من النزاعات، يطفو على السطح سؤال تقاسم السلطة. هل تُدار المرحلة بروح الكفاءة و المؤسسات، أم بمنطق التوازنات و الترضيات؟ و في اليمن، حيث تتقاطع الانقسامات الجغرافية و الحزبية مع إرث طويل من الصراع، تبدو المحاصصة و كأنها الخيار الأسهل سياسياً… لكنها ليست بالضرورة الخيار الأصح.
فمنذ اندلاع الحرب عام 2014، و مع تعقّد المشهد السياسي، برزت الحاجة إلى إشراك مختلف القوى و المناطق في أي صيغة حكم انتقالية، تفادياً للإقصاء أو إعادة إنتاج الصراع. اتفاقات مثل اتفاق الرياض قامت عملياً على مبدأ تقاسم السلطة بين مكونات جنوبية و شمالية، حزبية و مناطقية، باعتباره آلية لاحتواء التوتر وضمان الحد الأدنى من الشراكة.
أنصار المحاصصة يجادلون بأنها، تمنع الاحتكار السياسي، و تمنح الأطراف المتصارعة شعوراً بالأمان، و تخلق مظلة توافقية مؤقتة تساعد على تثبيت الاستقرار. و في بيئة هشة مثل اليمن، قد يبدو هذا الطرح منطقياً، خصوصاً عندما تكون الثقة بين الفاعلين شبه منعدمة. لكن التجربة اليمنية – في العشر سنوات الأخيرة– أظهرت أن المحاصصة قد تتحول من وسيلة لاحتواء الصراع إلى أداة لتكريسه. فعندما يُختزل التمثيل السياسي في معادلات جغرافية و حزبية جامدة، تتراجع معايير الكفاءة، و تُختطف المؤسسات لصالح مراكز نفوذ.
الإشكالات الجوهرية للمحاصصة تتمثل في انها تضعف الدولة المؤسسية، فتتحول الوزارات إلى "حصص"، لا إلى مؤسسات عامة. و تعمق الانقسام الجغرافي، بدل تجاوز الانقسام، فيتم تثبيته في بنية الحكم. و تتآكل المساءلة، فكل مكوّن يحتمي بتمثيله السياسي، فتضيع المسؤولية. و كمحصلة طبيعية، تتمدد و تطول أمد المرحلة الانتقالية، لأن كل قرار يصبح رهينة التوافقات المعقدة. بمعنى آخر، ما يُقدم كحل مؤقت قد يتحول إلى نمط حكم دائم يعيد إنتاج الفشل.
*و هنا يبرز السؤال الأهم، هل يمكن الجمع بين التمثيل و الكفاءة؟ طبعا، المعادلة ليست ثنائية بالكامل. فالدول الخارجة من نزاعات غالباً ما تلجأ إلى صيغ تقاسم السلطة كمرحلة أولى لبناء الثقة، على أن تُربط هذه الصيغة بأفق زمني واضح، و إصلاحات مؤسسية تدريجية.*
البديل الواقعي ليس إلغاء التمثيل، بل تحريره من الجمود، عبر اعتماد معايير كفاءة معلنة لشغل المناصب، و ربط التمثيل السياسي ببرامج أداء لا بمجرد انتماءات، و تحديد سقف زمني للترتيبات الانتقالية، و تفعيل المؤسسات الرقابية لضمان المساءلة.
*و هنا يجب الحديث عن الرقابة… كصمام الأمان بين المحاصصة و تفعيل دور المؤسسات الحكومية. فإذا كانت المحاصصة واقعاً انتقالياً، فإن الضمانة الوحيدة لعدم تحولها إلى عبء دائم هي رقابة فعّالة ومستقلة. فالتوازن بين الشراكة السياسية والأداء الحكومي لا يتحقق بالنوايا، بل بالأدوات المؤسسية.*
*و هنا تبرز أهمية، تفعيل دور مجلس النواب في الرقابة على الحكومة، ومنح الثقة أو حجبها بناءً على برامج واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، و كذلك دعم استقلالية الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ليقوم بدوره في مراجعة الإنفاق العام بعيداً عن الضغوط السياسية، و لا يجب ان نغفل اهمية تمكين الهيئات القضائية وهيئات مكافحة الفساد من العمل دون تدخلات حزبية أو مناطقية، و رفع مستوى تعزيز الشفافية في التعيينات و الإنفاق، بما يسمح للرأي العام و وسائل الإعلام بممارسة دور رقابي مواز.*
فالمحاصصة تصبح خطراً عندما تُفصل عن المساءلة، و تصبح قابلة للإدارة عندما تُحاط برقابة حقيقية. والرقابة هنا لا يجب أن تُفهم كأداة صراع بين السلطات، بل كآلية لضبط الإيقاع ومنع الانحراف.
نعم قد تكون هناك خصوصية للحالة اليمنية. فاليمن ليس مجرد ساحة انقسام حزبي، بل هو بلد بتنوع مناطقي عميق، و تجارب سابقة من المركزية المفرطة. لذلك فإن أي صيغة انتقالية تتجاهل التمثيل الجغرافي قد تُفاقم الإحساس بالتهميش، خصوصاً في المحافظات التي تشعر بأن ثرواتها لا تنعكس على تنميتها. لكن في المقابل، تحويل الجغرافيا إلى معيار حصري للسلطة يُهدد بإضعاف فكرة الأداء المؤسسي المنضبط و المواطنة المتساوية.
المحاصصة الجغرافية و الحزبية ليست فضيلة سياسية، لكنها قد تكون – في ظروف معينة – ضرورة اضطرارية. غير أن خطورتها تكمن في أن تتحول من "جسر عبور" إلى "نظام حكم دائم". و الفارق بين الحالتين تصنعه المؤسسات الرقابية. فكلما كانت الرقابة قوية ومستقلة وشفافة، تحولت المحاصصة إلى أداة توازن مرحلية. و كلما ضعفت الرقابة، تحولت إلى عبء يُقيد الدولة و يُبدد مواردها.
اليمن اليوم بحاجة إلى انتقال يُوازن بين التمثيل و الاستحقاق، بين الشراكة و الكفاءة، و بين الواقعية السياسية و بناء الدولة. فإن كانت المحاصصة هي متطلبات اللحظة، فيجب أن تكون مؤطرة زمنياً و مؤسسياً و رقابياً، لا أن تصبح قدراً دائماً.
وفي النهاية، السؤال الأهم ليس كيف نُقسم السلطة؟ بل كيف نبني دولة لا تحتاج إلى تقسيمها أصلاً؟