صنعاء 19C امطار خفيفة

ماذا يعني حق تقرير المصير في اليمن؟

في اعتقادي ليس مستغرباً أن يتحوّل الجدل حول مستقبل الكيانات داخل الدولة اليمنية إلى مادة يومية على منصات التواصل، ولا سيما في منصة (إكس X)، حيث يخوض ساسة وإعلاميون وناشطون - وكثير منهم بأسماء مستعارة - نقاشاً لا يكاد ينتهي حول ما إذا كانت محافظات مثل عدن وحضرموت وسقطرى والمهرة قادرة على انتزاع حكم ذاتي كامل، أو المضي أبعد من ذلك نحو الاستقلال استناداً إلى مبدأ حق تقرير المصير كما تقرّه هيئة الأمم المتحدة والقانون الدولي.

والسؤال ذاته، ينسحب بصورة موازية، على مناطق في الشمال مثل تهامة، بوصفها - وفق هذا الطرح - كياناً يمكن أن يطالب بمصير منفصل عما كان يُعرف بالجمهورية العربية اليمنية.
غير أن تكرار السؤال لا يعني بالضرورة بساطته، بل ربما يدل - على نحو ما - على عمق الالتباس الذي يحيط به.
في جوهره، يبدو السؤال قانونياً؛ لكنه في حقيقته سياسي بامتياز. فحق تقرير المصير، بوصفه مبدأً مقرراً في ميثاق هيئة الأمم المتحدة، هو حق أصيل للشعوب، غير أن أصالته لا تعني إطلاقه من كل قيد.
في الواقع إنّ القانون الدولي ذاته الذي أقرّ هذا الحق، وضع له سياقات محددة، وقرنه بمبدأ آخر لا يقل أهمية، هو مبدأ وحدة أراضي الدول وسيادتها. ومن هنا - تحديداً - تبدأ المعضلة: كيف يمكن التوفيق بين مبدأين متوازيين حين يُستدعى أحدهما لنقض الآخر؟
عملياً، لا يُطبّق حق تقرير المصير بوصفه أداة لإعادة رسم خرائط الدول القائمة متى ما ارتفعت الرغبة بذلك. فقد استقر الفقه الدولي على حصره في حالتين رئيستين: الأولى، حالة الشعوب الخاضعة للاستعمار أو الاحتلال الأجنبي أو التمييز العنصري الممنهج؛ والثانية، حالة الأقليات التي تتعرض لاضطهاد جسيم يحول دون مشاركتها في الحياة السياسية على قدم المساواة. خارج هاتين الحالتين، يصبح الحديث عن الانفصال مسألة تفاوض سياسي داخلي، لا حقاً دولياً قابلاً للفرض الأحادي.
في تصوري هذا التحديد ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو تعبير عن فلسفة قانونية تحاول منع العالم من الانزلاق إلى فوضى الكيانات المتنازعة. فلو أُطلق مبدأ تقرير المصير دون ضابط، لتحول إلى أداة تفكيك دائم، ولأصبحت كل جماعة قادرة - نظرياً - على إعلان نفسها دولة مستقلة كلما اختلفت مع المركز. عندها لن يبقى من الدولة الحديثة سوى اسمها، وسيتحوّل مبدأ السيادة إلى مفهوم هشّ قابل للتشظي.
لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا: تجربة كاتالونيا في إسبانيا تقدّم مثالاً دالاً على هذا التوازن الدقيق. فقد أشار تقرير نشره موقع "دويتشه فيله" الألماني عام 2017 إلى أن الحكومة الكاتالونية استندت إلى مبدأ تقرير المصير لتبرير الاستقلال، بينما تمسكت الحكومة المركزية في إسبانيا بمبدأ وحدة الأراضي.
وفي المحصلة، لم يعترف القانون الدولي بحق أحادي للانفصال ما لم يتفق الطرفان على ذلك، وهو ما لم يتحقق. هكذا بدا أن القانون، وإن أقرّ بالمبدأ الأول، لم يُسقط الثاني.
بل إن القانون الأوروبي عزّز هذا الاتجاه. فالمادة الرابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي تنص على احترام الهويات الوطنية للدول الأعضاء، كما تعبّر عنها هياكلها السياسية والدستورية، بما في ذلك الحكم الذاتي الإقليمي، مع التأكيد على الحفاظ على وحدة أراضيها. أي أن الانفصال ليس خياراً مرغوباً فيه ضمن المنظومة القانونية الأوروبية، حتى في سياق ديمقراطيات مستقرة.
وإذا نُقل هذا النقاش إلى الحالة اليمنية، فإن الصورة في اعتقادي تزداد تعقيداً. فالدستور اليمني يقرّ الوحدة الوطنية مبدأً أساسياً من مبادئ الدولة، ويجعل المساس بها تهديداً لبنيتها الدستورية.
وبالتالي فإن أي مسعى أحادي لتفكيك الكيان القائم لا يُعد مجرد خيار سياسي، بل يتخذ طابعاً صدامياً مع النص الدستوري ذاته. وهنا - تحديداً - يتحوّل الجدل من سجال افتراضي إلى احتمال مواجهة سياسية قد تتطور، في سياق هش كالسياق اليمني، إلى صراع مسلح.
المشكلة، إذن، لا تكمن فقط في النصوص، بل في البيئة التي تُطرح فيها. فاليمن يعيش منذ أعوام في ظل انقسام حاد وصراع مسلح وانهيار مؤسسي. وفي مثل هذا السياق شديد الخطورة، فإن أي دعوة إلى إعادة ترسيم الكيان الوطني لا تُقرأ بوصفها ممارسة ديمقراطية هادئة، بل في اعتقادي كعامل إضافي لإرباك مشهد مضطرب أصلاً. كما أن تداعياتها، كما أرى، لن تقف عند حدود الداخل، بل قد تمتد إلى الإقليم، بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي الحساس لليمن.
ثم إن السؤال الأعمق، في تصوري، يتجاوز القانون إلى مفهوم "الشعب" ذاته. من هو الشعب الذي يملك حق تقرير المصير؟ أهو كل سكان الدولة القائمة؟ أم كل إقليم إداري؟ أم كل جماعة ذات هوية تاريخية؟
أعتقد أن الإجابة ليست بديهية، لأن الدولة الحديثة نشأت على أساس توحيد أقاليم متعددة تحت سيادة واحدة (والجمهورية اليمنية التي قامت في 22 مايو 1990، تمت عبر وحدة اندماجية بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية). وإذا فُتح باب إعادة تعريف "الشعب" على أساس كل خصوصية جغرافية أو ثقافية، فإننا نعود إلى منطق ما قبل الدولة.
ومع ذلك؛ لا يعني هذا، المشار إليه أعلاه، إنكار وجود مظالم تاريخية أو مطالب مشروعة بالحكم الرشيد أو اللامركزية الواسعة. بل على العكس، قد يكون تطوير نظام حكم محلي فعّال كما يرى هذا الطرف، أو صيغة اتحادية متوازنة كما يرى ذاك الطرف، جزءاً من الحل.
لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين إصلاح بنية الدولة وتفكيكها. الأول يسعى إلى معالجة الخلل ضمن الإطار القائم، والثاني ينقل الخلاف إلى مستوى الكيان ذاته.
وعليه؛ فإن الجدل الدائر في الفضاء الافتراضي، على رغم حيويته، يغفل في كثير من الأحيان عن الكلفة الواقعية للخيارات المطروحة. فالاستقلال ليس شعاراً يُرفع، بل مساراً قانونياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً معقداً، يتطلب اعترافاً دولياً، وحدوداً مستقرة، ومؤسسات قادرة على البقاء. وهذه الشروط، في الحالة اليمنية الراهنة وفق ما هو ماثل على الأرض، تبدو بعيدة عن التحقق في المدى المنظور.
لقد قلتُ في مناسبات سابقة، في عدد من وسائل الإعلام المحلية والدولية، إن الوضع في اليمن ليس معقداً فحسب، بل شديد التشابك إلى حدّ يجعل الحلول الحاسمة غير واضحة المعالم.
وبينما تبدو بعض الطموحات ممكنة التحقيق نظرياً على المدى البعيد، تشير الوقائع على الأرض إلى أن الأولوية الملحّة تكمن في استعادة الدولة ووظائفها الأساسية، لا في إعادة تقسيمها. فالدولة المنهكة في اعتقادي لا تحتمل مغامرات كبرى، بل تحتاج أولاً إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس العدالة والإنصاف والمواطنة المتساوية.
في نهاية المطاف، لا يكفي أن نستدعي مفهوماً قانونياً كي نمنحه صلاحية مطلقة في كل سياق. فالمبادئ الكبرى - ومنها حق تقرير المصير - تعمل ضمن شبكة من المبادئ الأخرى التي تكبحها وتوجّهها.
وبين الرغبة في إعادة تعريف الكيان، وضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، أتصور أن اليمن اليوم يقف أمام معادلة دقيقة: إما أن يُدار الخلاف داخل إطار الدولة بعقلانية وحكمة وتدرج، أو أن يُفتح الباب لمسارات يصعب ضبط مآلاتها.
وفي مثل هذا المنعطف الحساس شديد الخطورة، تصبح الحكمة السياسية فضيلة لا تقل أهمية عن أي حق معلن في النصوص.

الكلمات الدلالية