صنعاء 19C امطار خفيفة

عندما يتحول الخطاب السياسي إلى برنامج اقتصاد.. قراءة في خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي

للمرة الأولى منذ سنوات، لا يبدو خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي خطابًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، ولا بيان نوايا عامًا. خطاب الدكتور رشاد العليمي الأخير مع حكومة شائع الزنداني، الذي امتد قرابة 35 دقيقة، جاء في جوهره أقرب إلى برنامج اقتصادي تنفيذي مكثف، صيغ بلغة الدولة لا بلغة الأزمة. اللافت في هذا الخطاب أنه تجاوز الثنائية التقليدية: الشرعية في مواجهة الانقلاب، وانتقل مباشرة إلى سؤال أكثر عمقًا وخطورة: كيف تُدار الدولة في زمن الحرب؟

ما طرحه كان محاور عمل واضحة: استعادة الموارد العامة، ضبط الإنفاق، ترشيد الاستيراد، تفعيل المؤسسات الإيرادية، دعم البنك المركزي، وربط الاستقرار النقدي بمسار التعافي الاقتصادي المحلي والمبكر، وكسر اقتصاد الحرب ومحاربة ريع الحرب من جبايات وتهريب وعقود فساد، وتنفيذ القرار رقم (11) المتعلق بتنظيم الاستيراد أو تعزيز الموارد.
الأكثر دلالة أن الخطاب تضمن تحولًا صريحًا في العلاقة مع المؤسسات الدولية؛ إذ لم يعد الاعتماد عليها مرساة الخطاب أو مخرجه الوحيد كما كان سابقًا، بل جرى التعامل معها كإطار قابل للمراجعة لا كمرجعية مقدسة. هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل يعكس إدراكًا سياسيًا واعيًا بأن اليمن يعيش اقتصاد حرب لا اقتصاد سلام ورفاه، بل اقتصاد بقاء وحياة، وأن كثيرًا من الاتفاقيات وقواعد المؤسسات الدولية (البنك والصندوق الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية) في الاستجابة لبعض السياسات مثل (سياسات التعويم، الانفتاح التجاري والتعريفات الجمركية...) تفقد فاعليتها في الدول الهشة والخارجة من الصراع التي تحتاج إلى "السيادة الاقتصادية المرنة"، أي قدرة الدولة على اتخاذ إجراءات استثنائية في غياب المؤسسات التنافسية، وهذا ينسجم مع برامج التعافي بعد الصراع بما فيها برنامج الأمم المتحدة الانمائي 2010م. وهي إشارة لا يمكن فصلها عن غطاء سياسي ومالي (سعودي) قادم، بل شراكة وليس مجرد دعم، وهذا يتطلب فقط "الموثوقية الإدارية، وعلى المؤسسات الدولية أن تتعامل معها كواقع لا كاستثناء نظري.
الأهم من ذلك، أن الخطاب لم يُشخّص الأزمة بوصفها نقصًا في التمويل، بل خللًا بنيويًا في الحوكمة والانضباط المالي ووحدة القرار وتماسك المؤسسات، المدنية والعسكرية والأمنية. كما لامس بوضوح إحدى أعقد معضلات الدولة اليمنية: المركزية المفرطة وتغوّل المركز على الأطراف، وما أنتجته من تنمية ضيقة وغير متوازنة، كانت في جوهرها جزءًا من الأزمة لا حلًا لها. هذه مقاربة ناضجة، لأن التجربة أثبتت أن تدفق الأموال دون إصلاح مؤسسي لا يقود إلى التعافي، بل يعيد تدوير الاختلالات نفسها.
لو طُبّق 50٪ فقط مما ورد في هذا الخطاب، في ظل حكومة منسجمة كما دعا إليها، وبقرار سياسي حازم، وبغطاء مؤسسي صلب للبنك المركزي ولجنة المدفوعات والاستيراد، لأمكن لليمن أن يقدّم نموذج تعافٍ ذكي في ظل الحرب، لا يُقارن بحالات الفشل، بل بحالات التحول المدروس في الدول الهشة والخارجة من الصراع.
خاتمة
يظل السؤال الجوهري مفتوحًا: هل تملك الحكومة القدرة والإرادة لتحويل هذا البرنامج الاقتصادي من خطاب رفيع السقف إلى سياسات تنفيذية منضبطة؟ فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب الرؤية، بل في كلفة التنفيذ، وفي قدرة مجلس الوزراء على مواجهة شبكات المصالح، وتوحيد القرار، وحماية البرنامج من التسييس والريع الحربي. هنا يبرز دور الاقتصاديين، والسياسيين، والمجتمع المدني بوصفهم رقابة وطنية مشتركة لا تكتفي بالتشجيع، بل تمارس القياس والمساءلة.
المطلوب تحويل الخطاب إلى مؤشرات أداء واضحة، ومتابعة شفافية الأوعية الإيرادية، والانضباط المالي، وحماية القرار الاقتصادي من شبكات الريع الحربي. فالحكومة لا ينقصها التخطيط، بل الإرادة والقدرة على التنفيذ. وإن لم يُترجم هذا البرنامج إلى سياسات قابلة للقياس والمحاسبة، فالمشكلة لن تكون في غياب الرؤية، بل في غياب من يريد تنفيذها.

الكلمات الدلالية