المشروع الانفصالي بين الرياض وأبوظبي: إعادة إدارة لا تفكيك
لم تعد المؤشرات المتراكمة في المشهد الجنوبي اليمني توحي بأن الرياض تتجه نحو تفكيك مؤسسات المجلس الانتقالي، السياسية منها والعسكرية والمدنية، أو نحو إنهاء مشروعه الانفصالي، بقدر ما تعكس مسعى واضحًا لإعادة التموضع عبر الهيمنة على هذا الكيان وإعادة إدارته بصورة مباشرة، وربما تحت مسمى جديد، يحافظ على الجوهر ذاته، ويستخدم الأدوات والوسائل نفسها، مع تغييرات شكلية محدودة في الواجهات والأشخاص، وذلك بدلًا عن أبوظبي لا نقيضًا لها.
وتحمل هذه المقاربة دلالة سياسية بالغة الأهمية، إذ تكشف أن المجلس الانتقالي ومشروعه لم يكونا يومًا مشروعًا إماراتيًا خالصًا، كما جرى تسويقه في الخطاب العام، بل كانا جزءًا من سياق إقليمي مشترك، قائم على تفاهمات واضحة بين أبوظبي والرياض، وربما حظيا أيضًا بغطاء أو دعم دولي، على أن تُترك إدارة هذا الملف للإمارات في مرحلة سابقة، بحكم خبرتها وأدواتها وقدرتها على التحكم بالتفاصيل الميدانية.
غير أن انتقال إدارة هذا المشروع إلى الرياض لا يعني بالضرورة انتقالًا سلسًا أو أكثر استقرارًا. فالتجربة تشير إلى أن كفاءة الإدارة السعودية لهذا النوع من المشاريع المركّبة، ذات الأبعاد السياسية والعسكرية والاجتماعية المتشابكة، تبقى موضع شك كبير، خصوصًا إذا ما قورنت بالنموذج الإماراتي الذي، رغم كل ما شابه من إشكالات وانتهاكات، اتسم بدرجة أعلى من الانضباط والقدرة على إدارة الوكلاء واحتواء التناقضات.
والأخطر من ذلك أن أي إخفاق في إدارة هذا المشروع لن تنحصر تداعياته في إطار المجلس الانتقالي أو الجنوب فحسب، بل ستنعكس على مجمل العملية السياسية اليمنية، وعلى فرص السلام الهشة، وعلى التوازنات الأمنية في الإقليم بأسره، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتداخل فيها الملفات اليمنية مع صراعات أوسع نطاقًا.
وعليه، فإن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته بوصفه تصحيحًا للمسار أو تراجعًا عن المشروع الانفصالي، بل باعتباره إعادة توزيع للأدوار داخل المشروع ذاته، مع اختلاف المدير وبقاء المشروع، وهو ما يفرض على القوى اليمنية، شمالًا وجنوبًا، إعادة قراءة المشهد بواقعية سياسية، بعيدًا عن الأوهام، والاستعداد لمواجهة استحقاقات أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.