صنعاء 19C امطار خفيفة

٣٥ وزيرًا في اليمن.. قراءة هادئة بعيدًا عن المزايدات

كثُر الحديث في الأيام الماضية عن عدد أعضاء الحكومة اليمنية، والبالغ 35 وزيرًا، من بينهم 8 وزراء دولة، وكأن الرقم بحد ذاته أصبح معيارًا للفشل أو العجز، دون أية قراءة للواقع السياسي والمرحلة الاستثنائية التي تعيشها البلاد.


الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
اليمن اليوم ليست في وضع دولة مستقرة حتى نقيس حكومتها بمعايير الدول المستقرة.
نحن نعيش مرحلة سياسية معقّدة، تتداخل فيها:
اعتبارات سياسية
وتوازنات مناطقية
وتحديات وطنية وأمنية
وواقع دولة لم تستعد بعد مؤسساتها ولا عاصمتها ولا سيادتها الكاملة
في مثل هذه المراحل، لا يكون معيار النجاح هو تقليص عدد الوزراء، بل بناء الحد الأدنى من التوافق الوطني الذي يسمح للدولة أن تتحرك بدل أن تتعطّل.

هل في هذا التشكيل "عوار"؟

بكل هدوء: لا.
وجود وزراء دولة ليس ترفًا سياسيًا، بل أداة مرنة لإدارة التوافقات، خصوصًا عندما يكون من بينهم محافظان يتوليان حقيبة وزير دولة لشؤون العاصمة المؤقتة عدن وصنعاء، وهو اعتراف سياسي وإداري بأن معركة استعادة الدولة تبدأ من إدارة الواقع لا إنكاره.
هذا الترتيب يعكس:
إدراكًا لتعقيد الملف الإداري
ومحاولة لعدم إقصاء أي مكوّن مؤثر
وسعيًا لتخفيف الاحتقان بدل تعميقه

هل عدد 35 وزيرًا رقم شاذ؟

على العكس تمامًا.
هناك دول مستقرة، وليست خارجة من حرب، لديها عدد وزراء أكبر أو قريب من هذا الرقم:
الهند: أكثر من 70 وزيرًا
نيجيريا: نحو 45 وزيرًا
مصر: يتراوح بين 30 و35 وزيرًا
الفارق أن تلك الدول تعيش أوضاعًا مستقرة نسبيًا، بينما اليمن في مرحلة إعادة بناء الدولة من تحت الركام.

ما المطلوب الآن؟

المطلوب ليس جلد الحكومة منذ يومها الأول، بل:
دعم أية خطوة تُعيد الحياة السياسية إلى مسارها
تمكين الحكومة من العمل من العاصمة المؤقتة عدن
انتظام صرف الرواتب
تحسين الخدمات الأساسية
تحريك عجلة التنمية ولو ببطء
فالدولة لا تُستعاد بالهجوم الإعلامي وحده، بل بتوفير الحد الأدنى من الاستقرار السياسي الذي يسمح للمؤسسات أن تعمل.
المرحلة انتقالية... لا نهائية
يجب أن نكون واضحين:
هذه ليست حكومة أحلام، ولا يُراد لها أن تكون دائمة، لكنها حكومة مرحلة، والمرحلة تفرض أدواتها.
والأهم من ذلك، أن هذه المرحلة يجب أن تفتح الطريق أمام:
رفع المظالم
تسوية عادلة للقضية الجنوبية
ومنح اليمنيين في المحافظات الجنوبية والشرقية -الذين كانوا ضمن دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية- الحق الكامل في اختيار شكل الدولة القادم
وبالمثل، تمكين اليمنيين في المحافظات التي كانت ضمن الجمهورية العربية اليمنية من المشاركة المتكافئة في تقرير المستقبل
هكذا فقط تُبنى دولة، لا بالإقصاء، ولا بالتخوين، ولا بالمزايدات.

الخلاصة

في ظرف استثنائي مثل الذي يمر به اليمن:
التوافق أولوية
الاستقرار مقدمة
والنقد مسؤولية لا سلاحًا
دعم التشكيل الحكومي اليوم لا يعني شيكًا على بياض،
بل يعني إعطاء الدولة فرصة لتتنفّس...
ولليمنيين فرصة أن يخرجوا من هذا النفق الطويل نحو دولة عادلة، مستقرة، وقابلة للحياة.

الكلمات الدلالية