فوضى الدواء في اليمن
في بلدٍ أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات، لم تعد المأساة مقتصرة على غياب الدواء، بل امتدّت إلى فوضى الدواء نفسه. فأن يتحول العلاج من وسيلة للشفاء إلى أداة صامتة لتدمير الأجساد، فهذا وجه آخر من وجوه الانهيار العميق الذي نعيشه في اليمن.
لم يعد مشهد بيع الأدوية في السوبرماركات والدكاكين الشعبية أمرًا مستغربًا. أدوية تُعرض بجانب المواد الغذائية، بلا وصفات طبية، بلا إرشاد، وبلا أي اعتبار لشروط التخزين من حرارة ورطوبة وظل. أدوية يُفترض أن تكون تحت إشراف طبي صارم، صارت سلعة رخيصة تُشترى بعفوية، فقط لأن المواطن المنهك يبحث عن مسكّن سريع لوجعٍ لا يعرف أن سببه الحقيقي قد يكون الدواء نفسه.
الأخطر من ذلك، أن جزءًا من هذه الأدوية مهرب عبر طرق برية وبحرية قاسية، تخضع لظروف مناخية مدمّرة للتركيب الكيميائي للدواء، وجزءًا آخر يُصنّع في ما يشبه المعامل البدائية، في شقق بعيدة عن الرقابة أو حتى على قوارب بحرية، بلا معايير جودة، ولا اختبارات سلامة، ولا أدنى مسؤولية أخلاقية. والنتيجة واحدة: دواء ملوث، مغشوش، أو فاقد الفاعلية، يدخله المواطن إلى جسده وهو يظن أنه يتداوى.
ومن بين أكثر الظواهر إيلامًا، تفشّي الإدمان الدوائي، خصوصًا على الأدوية التي تحتوي على الكودايين، مثل بعض المسكنات الشائعة. كثيرون باتوا يتناولونها يوميًا "بحجة وجع الرأس"، بينما الحقيقة الطبية تشير إلى أن الصداع نفسه قد يكون عرضًا من أعراض الإدمان الناتج عن الاستعمال المزمن وغير المنضبط. وهكذا يدخل الإنسان في حلقة مغلقة: دواء يسبب الألم، وألم يدفع لمزيد من الدواء.
وما لا يقل خطورة عن المسكنات، هو العبث الواسع بالمضادات الحيوية. من أكثر ما يلفت النظر في التجربة الصحية في ألمانيا أن المضاد الحيوي لا يُصرف إطلاقًا إلا بوصفة طبيب، ولا يصفه الطبيب إلا بعد التأكد أن سبب المرض بكتيري فعلًا، لا فيروسي. أطفالهم يمرضون بالزكام والسعال ونزلات البرد مرارًا، ولا تُعطى لهم مضادات حيوية، لأن الطب يعرف أن هذه الحالات في الغالب فيروسية، وأن المضاد هنا لا يعالج بل يضر. حتى المسكنات لا تُترك للاستهلاك المفتوح، فلا يُصرف دون وصفة سوى الإيبوبروفين بحد أقصى 400 ملغ، والباراسيتامول 500 ملغ، مع نصائح واضحة بعدم الإكثار منهما. هذه المقاربة لا تقوم على التضييق، بل على حماية الإنسان من نفسه ومن سوء الاستخدام. فالأدوية، وفي مقدمتها المضادات الحيوية، نعمة حقيقية حين تُستخدم وفق تشخيص الطبيب المعاين للحالة، لكنها تتحول إلى سمٍّ بطيء حين تُستعمل بعشوائية وفوضى، وتفتح الباب أمام مقاومة بكتيرية خطيرة، وأمراض أعقد، وتكاليف صحية لا طاقة لمجتمعنا المنهك على تحمّلها.
هذه الفوضى لا تمر دون ثمن. الثمن يُدفع في غرف الطوارئ، وفي أقسام الغسيل الكلوي، وفي عيادات أمراض الكبد، وفي تشخيصات السرطان المتزايدة. إنها أعباء صحية واقتصادية ونفسية تُلقى على كاهل مجتمع فقير أصلًا، وعلى نظام صحي عاجز عن الاحتمال. كل قرص دواء يُباع بلا ضمير اليوم، قد يتحول غدًا إلى مأساة أسرة كاملة.
المفارقة المؤلمة أن هذه الكارثة لا تحدث في فراغ أخلاقي أو قانوني. لدينا دين واضح يحرّم الإضرار بالنفس والآخرين، ويجرّم الإدمان، ويأمر كل صاحب مهنة أن يؤدي عمله بإتقان، ويحمّل المسؤولين أمانة الرعاية دون فساد أو تواطؤ. ولدينا كذلك قوانين تنظم استيراد وتصنيع وتداول الدواء، وتجرّم التهريب والغش والتلاعب. المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في غياب التطبيق، وفي انتقائية الرقابة، وفي فساد بعض من أُوكلت إليهم مسؤولية الحماية لا التربح.
السكوت عن هذه الفوضى ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة. حين نصمت، فإننا نسمح بتطبيع الخطأ، ونجعل الشقاء يتراكم فوق الشقاء. لا يمكن لمجتمع أن يتعافى بينما يُترك الدواء بلا رقابة، والإنسان بلا وعي، والتاجر بلا ضمير، والموظف بلا مساءلة.
المطلوب اليوم ليس خطابات إنشائية، بل إرادة حقيقية. رقابة دوائية صارمة تُطبق على الجميع بلا استثناء. محاسبة شفافة لكل من يعبث بصحة الناس. حملات توعوية جادة تشرح مخاطر الاستعمال العشوائي والإدمان الدوائي بلغة بسيطة تصل إلى كل بيت. وتمكين الصيادلة والأطباء الشرفاء بدل ترك الساحة للفوضى.
وللتوضيح، فإن إثارة الهلع ليست هدفي، ولا الدعوة إلى تشديد القوانين على مجتمعٍ منهكٍ أصلًا تحت أعباء الفقر والحرب والمرض. ما أطالب به هو تفعيل ما هو موجود أصلًا من تشريعات وأنظمة، ولكن بمصداقية وعدالة. تفعيل يحمي الصيدلي الشريف بدل أن يضيّق عليه، ويسهّل حياة الطبيب بدل أن يربكه، ويصون حق المواطن في دواء آمن بدل أن يتركه فريسة للغش، وينظم عمل البائع والمشتري بدل أن يدفعهم إلى العشوائية. رقابة حقيقية لا تُستخدم أداة ابتزاز للبعض، ولا تُمارس بانتقائية تترك المحميين خارج المساءلة. فالعدل في التطبيق هو وحده الكفيل بإصلاح المنظومة دون كسر المجتمع، وبإعادة الثقة بين الناس والدولة، وبين الصحة والضمير.
صحة الناس ليست ترفًا، وليست ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله. إنها خط الدفاع الأخير عن ما تبقى من هذا المجتمع. وإذا فسد الدواء، فسد الجسد، وإذا فسد الجسد، فسد كل شيء.
