تحوّلات الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية: من الرهان على الحسم السريع إلى واقع الاستنزاف وإعادة تشكيل التوازنات الدولية
في بداية الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، كتبتُ أن الحرب التي بدأتْها إسرائيل والولايات المتحدة، والتي لا تستند إلى أي قرار دولي وتُعدّ مخالفةً للقانون الدولي، فإن من سينهي هذه الحرب هي إيران.
لقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بتفوقهما التكنولوجي والعسكري، استهداف الصفَّين الأول والثاني من القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية، ودمّرتا معظم المؤسسات العسكرية والبحرية. وكانت التوقعات التي وضعتها إسرائيل في البيت الأبيض أن هذه الحرب ستكون خاطفة، على الرغم من معارضة بعض القيادات العسكرية الأمريكية آنذاك لهذه الحرب. ومع ذلك، استطاع نتنياهو إقناع ترامب بخطته وحربه، بعدما فشل في ذلك مع الرؤساء الأمريكيين السابقين.
اليوم، وبعد أكثر من شهر، ومع دخول الحرب شهرها الثاني، امتصّت إيران الصدمة والضربات العنيفة الأولى، وبدأت بالدفاع، ثم تحوّلت اليوم إلى الهجوم، بعد أن أرهقت أنظمة الدفاع الإسرائيلية والأمريكية ودول المنطقة، وأصبح اختراق سماء إسرائيل بالصواريخ الإيرانية أكثر سهولة.
لم يكن متوقعاً لدى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أن يكون الرد الإيراني بهذا المستوى، بل وأكثر من ذلك، استهداف جميع القواعد الأمريكية في المنطقة. والأهم هو اتخاذ إيران قرار إغلاق مضيق هرمز، وهو ما لم يكن في حسبان ترامب ومستشاريه، وقد أثّر ذلك في الاقتصاد العالمي، بل امتد تأثيره إلى رغيف الخبز في كل بيت في العالم.
ترامب، الذي عاد إلى كرسي الرئاسة على أساس أنه سيعمل على تجفيف منابع الحروب، كان يكرر في تصريحاته أنه لو كان رئيساً لما اندلعت حرب أوكرانيا، وكان يُلقي بمشاكل الولايات المتحدة الأمريكية على بايدن، الذي اعتاد أن يصفه بـ"النعسان".
لكن ما إن عاد إلى البيت الأبيض، حتى عجز عن إيقاف الحرب الروسية الأوكرانية، رغم وعوده لناخبيه بأنه سيتمكن من إنهائها بمجرد اتصال هاتفي. ومنذ يناير 2025 وحتى اليوم، لم ينجح في ذلك، وذلك يعود إلى أسباب كثيرة وتعقيدات تتعلق بالمشكلة الروسية الأوكرانية والأوروبية، والأمن الاستراتيجي الروسي، وتمدد الناتو. بل اتجه في مسارات أخرى، مثل تصريحاته حول ضم كندا، ومحاولته ضم جزيرة غرينلاند، وإشعال مواجهة في فنزويلا، إضافة إلى قيامه بعمليات عسكرية في إطارها تم اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، نيكولاس مادورو، وزوجته، خارج إطار القانون الدولي.
هذه السياسات عززت لديه فكرة تكرار مثل هذه السيناريوهات في إيران، متجاهلاً أو غير مدرك لطبيعة هذا البلد وتاريخه؛ فإيران ليست فنزويلا، وليست دولة يمكن إخضاعها بسهولة أو دفعها للتنازل عن سيادتها وثرواتها. إنها دولة مستعدة لخوض حروب طويلة، وقد خاضت بالفعل حرباً استمرت ثماني سنوات مع العراق، كما أن الإيرانيين يحاربون بعقيدة، وينطلقون من منطلق الدفاع عن وطنهم، لأنهم لم يذهبوا إلى هذه الحرب، بل فُرضت عليهم وبدلا من ان تثير هذة الحرب الشارع الايراني والمعارضة ضد النظام وحدت الحرب الشعب الايراني وهذة كانت مفاجأة اخرى للرئيس ترامب .
لقد بدأت الحرب تحت عناوين معلنة: إسقاط النظام وتغييره، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، ومساعدة الشعب الإيراني والمتظاهرين الذين قُتلوا على يد النظام الإيراني، على أساس أن الولايات المتحدة الأمريكية حريصة على شعوب الدول. وقد شاهدنا هذا "الحرص" بوضوح في غزة وأفغانستان والصومال والعراق وكارثة التاريخ في ابو غريب ..
إلا أن الواقع حتى الآن يشير إلى أن النظام الإيراني، رغم الضربات والتصفيات، لا يزال متماسكاً. كما أن استهداف المنشآت النووية لم يؤدِّ إلى السيطرة على اليورانيوم عالي التخصيب.
واللافت أن إيران، قبل اندلاع الحرب، كانت قد أبدت في مفاوضات جنيف استعدادها لتسليم اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، ما كان يمكن أن يفتح باباً لحل سياسي، خاصة أن الاتفاق النووي الذي وُقّع في عهد أوباما عام 2015 مع كل من فرنسا وروسيا وألمانيا وبريطانيا (4+1)، وايرانىلم تنسحب منه إيران، بل الولايات المتحدة هي التي انسحبت في عهد ترامب. لكن ممثلي ترامب، كوشنر وويتكوف، عملا على إفشال المحادثات والحوار مع الإيرانيين في جنيف ما قبل الحرب ، بدافع إشعال الحرب خدمة لإسرائيل.
أما فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية، فبعد هذه الفترة من الحرب، لا تزال الصواريخ الفرط صوتية الدقيقة تتساقط على إسرائيل، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى تحقق الأهداف المعلنة.
ومن خلال قراءة هذه الأهداف، يتضح أنها لم تكن الدافع الحقيقي للحرب، بل إن الهدف الأعمق يتمثل في إضعاف الدولة الإيرانية ومؤسساتها، وتفكيك الدولة وفق مكوناتها العرقية والدينية، حيث يتكون المجتمع الإيراني من الفرس والأذريين والتركمان والبشتون والعرب والأكراد، وتركهم في صراعات لا تنتهي كما حدث في دول أخرى مثل ليبيا والعراق ولبنان وسوريا واليمن، وتحويل الدولة إلى دولة فاشلة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى.
إضافةً إلى ما شهدناه منذ عام 2023 من تدمير غزة، ثم لبنان، ثم سوريا، وصولًا إلى السيطرة على أجزاء من الجنوب السوري حتى القنيطرة وجبل الشيخ، ولا تزال الحرب مستمرة في جنوب لبنان.
كما أن النفط الإيراني والثروات الطبيعية الأخرى شكّلت عنصر جذب واضحاً في الحسابات الأمريكية، إلا أن الواقع أثبت أن إيران ليست ساحة سهلة، وليست "جزيرة معزولة كجزيرة إبستين" يمكن التحكم بها بسهولة، بل دولة ذات تعقيدات وقدرات مختلفة تماماً.
اندلعت الحرب ضد ايران ، وللأسف، دون موقف عربي واضح رافض لها، بل إن بعض الدول التزمت الصمت، وهو ما يمكن تفسيره جزئياً بسلوك طهران في المنطقة وتدخلاتها في دول عربية مثل اليمن وسوريا والعراق ولبنان. ومع ذلك، يبقى من الضروري إدراك أن إيران دولة جارة، وأن الحوار معها، حتى لو طال، يبقى أقل كلفة بكثير من أي حرب، لأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها.
كما كشفت هذه الحرب أن القواعد الأمريكية في المنطقة لم تكن موجهة لحماية دولها بقدر ما كانت مسخّرة لحماية إسرائيل، وهو ما دفع دول الخليج إلى اتخاذ موقف حذر، بعدم الانخراط في الحرب، والتأكيد على أنها ليست حربها وهذا موقف حكيم من قبل دول الخليج ادركت ابعاده وان اي انخراط سيستدعي الانسحاب الامريكي الإسرائيلي وتركيا الحرب خليجية عربية إيرانية وتتحول الولايات المتحدةالأمريكية واسرائيل لمركزين لوجستيين لبيع الأسلحة.
وربما لم يرقَ هذا الموقف لترامب، الذي صرّح البارحة بإمكانية إيقاف الحرب حتى مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، في رسالة بدت وكأنها موجهة لدول الخليج لتحمّل كلفة هذه الحرب.
وفي الواقع، فإن مضيق هرمز يمكن فتحه عبر حوار إيراني خليجي، وهو باب لم يُغلق بالكامل، بل استُخدم كورقة ضغط في سياق هذه الحرب.
حرب ترامب وإسرائيل، التي لم تُقابَل برفض من الدول العربية، قوبلت برفض من حلفائه الأوروبيين، أعضاء حلف الناتو، إذ يدركون أنهم لا يريدون تكرار تجربة حرب العراق. كما جاء موقفهم رداً على سلوك ترامب تجاه الاتحاد الأوروبي، ومواقفه من الحرب في أوكرانيا، وتصريحاته بشأن ضم جزيرة غرينلاند، إضافة إلى الرسوم التي فرضها عليهم.
لذلك، لم يشاركوا في هذه الحرب، حتى عندما تم إغلاق مضيق هرمز ودعاهم إلى مساندته لفتحه.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا صرّح ترامب بإمكانية وقف الحرب مع إيران في هذا التوقيت؟
الإجابة لا يمكن اختزالها في عامل واحد، بل تُفهم من خلال تداخل أبعاد سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية، تكشف مجتمعة أن مسار الحرب لم يعد يسير وفق ما خُطِّط له في بدايته.
على الصعيد السياسي، فإن فشل تحقيق حسم عسكري سريع أضعف صورة القيادة الأمريكية، التي راهنت على حرب خاطفة تعيد رسم موازين القوة في المنطقة. ومع طول أمد المواجهة، بدأ الضغط الداخلي يتصاعد، في ظل رفض تقليدي داخل المجتمع الأمريكي للانخراط في حروب طويلة ومكلفة، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية. كما يضاف إلى ذلك تراجع مستوى الدعم الدولي، حيث امتنعت الدول الأوروبية، الحليفة تقليديًا لواشنطن، عن الانخراط في الحرب، ما يعكس حالة من التباين في المواقف ويُضعف الغطاء السياسي لأي تصعيد إضافي.
أما اقتصادياً، فقد بدأت كلفة الحرب تتجاوز حدود الميدان العسكري لتطال بنية الاقتصاد العالمي. ارتفاع أسعار النفط إلى حدود 120 دولارًا للبرميل يعكس حجم القلق المرتبط بأمن الإمدادات، خاصة في ظل التهديدات المتكررة لمضيق هرمز، الذي يشكّل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية. هذا الارتفاع لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء، ويضغط على سلاسل الإمداد، ما ينذر بموجة تضخمية جديدة.
في أوروبا، ورغم أن معدل التضخم اليوم عند حدود 2.7% يبدو مقبولًا نسبيًا، إلا أنه في السياق الأوروبي يُعدّ مؤشرًا مقلقًا، نظرًا لاعتماد القارة الكبير على استيراد الطاقة. أي تصعيد إضافي في منطقة الخليج كفيل بدفع هذا المعدل إلى مستويات أعلى، مع ما يرافق ذلك من تباطؤ اقتصادي محتمل، وهو ما يفسّر جزئيًا الموقف الأوروبي المتحفظ من الحرب، إذ إن كلفتها الاقتصادية تبدو أكبر من مكاسبها السياسية.
أما في الولايات المتحدة، فإن ارتفاع أسعار الوقود، حتى وإن بلغ نحو 3 دولارات للجالون، يبقى عاملًا حساسًا سياسيًا، لأنه يمسّ الحياة اليومية للمواطن بشكل مباشر. ومع ارتفاع كلفة العمليات العسكرية، يجد صانع القرار نفسه أمام معادلة دقيقة: الاستمرار في الحرب بما يحمله من مخاطر اقتصادية داخلية، أو التوجه نحو التهدئة للحفاظ على الاستقرار.
في البعد الجيوستراتيجي، يتضح أن الأهداف المعلنة للحرب لم تتحقق حتى الآن؛ فالنظام الإيراني لا يزال قائماً،وان لا يمكن لاي قوى خارجية تغيير الانظمة ما لم يكون التغيير داخلي وبنضال الشعب نفسه، والقدرات الصاروخية لم تُحيد، بل إن إيران انتقلت من موقع الدفاع إلى الهجوم، مستهدفة العمق الإسرائيلي وبعض المواقع المرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة. هذا التحول أعاد تشكيل معادلة الردع وفتح الباب أمام احتمالات توسّع الصراع.
إلى جانب ذلك، تمتلك إيران ورقة ضغط استراتيجية بالغة الأهمية، تتمثل في موقعها الجغرافي وتحكمها النسبي بمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20 إلى 30% من إمدادات النفط العالمية. التلويح بإغلاق هذا الممر لا يُعدّ مجرد تهديد عسكري، بل أداة تأثير اقتصادي عالمي تمنح طهران قدرة على الرد تتجاوز ميدان المواجهة التقليدية، كما أن الإشارة إلى إغلاق باب المندب في اليمن ستُفاقم من تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم تصريح ترامب بشأن إمكانية وقف الحرب بوصفه تعبيراً عن إعادة تموضع، وليس تحولاً مبدئياً نحو السلام. فالحرب التي بدأت كمواجهة عسكرية محدودة الأهداف، أخذت تتحول تدريجياً إلى حرب استنزاف اقتصادية وجيوسياسية مفتوحة، لا تهدد إيران وحدها، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي والاستقرار الداخلي في الولايات المتحدة نفسها كما أنها ستؤثر على التجديد الانتخابي النصفي للرئيس في نوفمبر القادم .
وعليه، فإن الدعوة إلى وقف الحرب تعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرارها قد يفضي إلى كلفة أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة، وأن إدارة الصراع وليس تصعيده بات الخيار الأكثر واقعية في هذه المرحلة.
أم أن ترامب، بهذا التصريح، يريد أن يُرتِّب لحرب بشعة يرضي بها غروره، باستخدام سلاح نووي، ليجعل إيران تستسلم حقاً؟ وقد تستخدم إسرائيل ذلك لتُحمِّل الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية، كونها تملك سابقة نووية في اليابان.
مع انه من حيث الواقع، القرارات المتعلقة باستخدام السلاح النووي تخضع لمنظومات ردع معقدة داخل الدول، وتشمل قيادات عسكرية ومؤسسات أمنية وتشريعية، ولا تُتخذ بشكل فردي أو انفعالي، كما أن استخدامها يترتب عليه عواقب دولية كارثية قد تشمل ردود فعل واسعة النطاق وتداعيات سياسية وعسكرية خطيرة جداً على مستوى العالم.
السؤال الأخير: ماذا لو فاجأت إيران العالم كما فعلت كوريا الشمالية عندما فرضت نفسها كقوة نووية عبر الأمر الواقع، وليس عبر إعلان مفاجئ على طاولة المفاوضات؟