صنعاء 19C امطار خفيفة

حنينٌ إلى الرفاق

حنينٌ إلى الرفاق

إلى الشاعر الكردي السوري مروان علي
الى الشاعر الفلسطيني يوسف القدرة

إلى مروان علي، الحامل وجع الجبال وهمس الطفولة المؤجلة، و إلى يوسف القدرة، المنغرس كجذر زيتونة في أرض لا تنام:
كلنا غرباء، نحمل أسماءنا كجرح جميل.
وأنا، فتحي أبو النصر، أمشي بينكم بندبة الوطن في صدري،
نحلم لنحيا، نُنزف لنُرى، ونحب.كأن لا منفى.!

-1-

حين تمطر في . لا ينهمر الماء وحده من السماء. كأن المدينة العتيقة، بجبالها ونقوشها وغبارها الخفيف، تفتح أبواب الذاكرة وتهمس: "تذكرهم، أولئك الذين مضوا ولم يغيبوا".
****

في كل قطرة تهوي على الأرصفة، وجوهٌ تطل، أصواتٌ، عيونٌ تنظر خلف الغيم وكأنها تبحث عنا.


***

هذا المطر ليس مجرد طقس، بل حدث وجداني وشعري وسياسي في آن معاً.
هو استدعاءٌ للغائبين الذين لم يكونوا غيابا، بل كانوا شكلا من أشكال الحضور الأعمق، وأصدق من كل حضور مادي.

****
إن المطر على هذه المدينة المنحوتة من صبر التاريخ، يشبه لحظة اعتراف: لقد مشينا معا، افترقنا حين باغتنا الليل، لكن الطريق ما زالت نفسها، والصوت ما زال ينادي، والحلم لم يُنسَ.
****
كل الأمكنة تتشابه حين يفقد الإنسان رفاقه.
****
في غيابهم، يصبح المكان شاحبا، تتآكل حدوده، وتصير المدن متشابهة.
****
ما الذي يصنع وطنا إن لم يكن الجمع على فكرة، على نبضة، على غد نراه أكثر وضوحا في عيون الآخرين؟
****
نحن الذين مشينا على حواف اليأس، وارتكبنا الشجاعة مرة تلو مرة، نعلم أن الخسارات ليست في النهاية، بل في النسيان، في القبول البارد بتقادم الأحلام، في التصالح مع القبح.

لكننا، رغم الخسارة، لا نكف عن الحنين، لا نكف عن البحث في الرماد عما يشبه لهبا صغيرا.

-2-

ننبش الأيام وننصت لصدى أقدام من عبروا، لا كي نندب، بل كي نحيا على إيقاع الوفاء.
****
السياسة ليست منصة، بل أثر في القلب والعين.
****
نكتب هذا الحنين لا باعتباره لحظة انكسار، بل فعل مقاومة. فالحنين الحقيقي هو نقيض الحنين العاطفي الرومانسي، إنه طاقة سياسية، إنه السؤال الذي يوقظ الضمير ويحرض الفعل.
****
السياسة اليوم تحتاج إلى قلب، لا إلى شعار أجوف. تحتاج إلى ذاكرة حية، لا إلى تنظير عقيم.
****
الذين مضوا تركوا فينا خارطة للمعنى، طريقة للمشي، ونبرة للغضب، ورُقيا في الانحياز.
****
حين نُقصي الحنين عن السياسة، نُقصي الإنسان نفسه، نحوله إلى آلة تصوت وتفاوض دون أن تشعر.

أما نحن فننحاز للمكان الذي يصبح فيه الحنين مشروعا للتغيير، والبكاء بداية لصياغة جملة جديدة، أكثر عدلا، أكثر صدقا، وأكثر احتراما للتاريخ الذي نحمله في دمنا.
****
الزمن الذي لا يحفظ الرفاق هو زمن بلا ذاكرة.
****
في كل ركن من هذه الأرض صوتٌ لأحدهم: ضحكة رفيق في المقصف، نكتة سريعة في الزنزانة، خطوات هادئة في الليل قبل اقتحام، صوتٌ هادئ وسط القلق العام.

-3-

إنهم هنا، ليسوا ماضيا، بل جزء من تكويننا.
من أين نأتي بهذا الوضوح لولاهم؟ من أين لنا هذا الحدس بأن القهر لا يدوم، لولا أن أحدهم كان قد قال ذات ليلة: "اصبر، غداً سنكبر وتنكسر الأغلال".
****
إننا لا نُجيد الرثاء، ولا نؤمن بالحزن السلبي. بل نقول: إن ذاك الذي سقط، لم يسقط عبثا. لقد اشتعل فينا، في مفرداتنا، في خطواتنا، في القرار الصغير الذي نأخذه حين نرفض الكهنوت ولو بالكلمة.
****
المستقبل لا يُصنع من الأوهام بل من الحنين الصادق .
****
حين نقول إن الغد يخصنا، لا نقول ذلك على سبيل الشعر. بل لأننا جربنا أن نعيش دونه، فاختنقنا. رأينا من باع صوته، ومن اعتذر عن تاريخه، ومن أصيب بالبلادة السياسية فلم يعد يفرّق بين الظالم والمظلوم.
لكننا بقينا. نحمل ما تبقى من الحلم كمن يحمل جمرة. لا لنحترق بها، بل لننير بها هذا الطريق الطويل.
****
إننا لا نملك امتياز النسيان. لا نملك ترف الحياد. لقد منحنا بعضنا العمر على نية وطن أفضل، فلا يليق أن نخذلهم عند أول مفترق.
ولنعترف: نحن تعبنا، تألمنا، تهشمنا، لكننا لم نتراجع. حتى ونحن نترنح، فإننا نحمل في وجعنا شرف المحاولة.
****
يا أيها الغائبون.. نحن هنا، لا زلنا نحرس هذا الرماد.
****
لكم السلام إن كنتم في الأرض، أو في أعالي الذاكرة، أو في قصائد لم تُكتب بعد. لكم الندى والمطر. لنا وعدكم. وحين نمشي على هذا التراب الذي أُنهك من القتال، نمشي بأسمائكم، بأشواقكم، بخطاكم.
****

الوقت ليس حجرا صامتا. الوقت قلب، وله ذاكرة. وكلما سُرق منا حلمٌ، نبتَ آخرُ على أطراف الرماد.
أما المطر، هذا الذي يهبط الآن في أديس أبابا، فإنه لا يغسل الطرقات فقط، بل يفتح الطريق من جديد. لكل واحد منكم، يا رفاق الطريق، يا سلالة الأحلام النبيلة:
لقد أحببناكم بما يكفي لنواصل، وبما يكفي لنظل أوفياء لذواتنا.

-4-

نحن من؟

نحن غيم الحلم إذا تعب الحالم.
نحن هباء تعلم أن يتماسك في العاصفة.
نحن شهقةُ الرماد حين يلدُ جمرةً.
نحن أصواتٌ لم تولد من حناجر، بل من جدران اختنقت بالنداء.
نحن الهاربون من التعريف، المتسربون من هوية ضيقة إلى رحابة تئن.
نحن من لا نُرى، لكننا نوزع المعنى على العابرين.
و
نحن..سؤالٌ دائم في فم الغياب.
وكل مافي الأمر أنني اشتقت لكم.
أنا اليمني الكردي الفلسطيني

الكلمات الدلالية