أطلس الوجوه: عن التنوع والاختلاف الذي نريد.. تلاوين الحياة اليومية في "دارمشتات"
"التعددية هي قانون الأرض" حنا آرندت
منذ وطأت قدماي مدينة دارمشتات، استوقفتني تلاوينها، ذلك الفضاء البصري الحر، معه تتملكني روح الصورة المرئية والذهنية، ليس بالتأمل فقط، بل وبالتساؤلات، عند المقارنة بين شعوبنا وبلداننا، وفسيفساء هذا الفضاء الملون الذي عايشته في هذه المدينة: هاينر-هاينرش، يكفي أن أكون في الويزنبلاتس لأرى الكرنفال اليومي، للوجوه والناس، كل حركة عالم قائم بذاته، لا حدود له.
في الويزن لا ترى وجهًا بلون واحد، ولا تسمع لغة واحدة، حتى الضحكة، والإشارة، والتحية، العيون والنظرات الملبس، وو، لا تكفي لسردها كتب، لا أحادية في هذه المدينة.
وأنت تجول في شوارعها، تتجاور موسيقى لاتينية تنبعث من فرقة هناك، أخرى آسيوية، أوروبية، أوكرانية، إفريقية، كردية، رقصة لطفلة تنتظر الحافلة، إيقاعات أقدام امرأة عابرة، أخرى تشرب قهوتها، وعجوز يهمس في أذن حبيبته فتطرب فرحًا، حبيبان يعبران الشارع بأذرع متحاضنة، صبية وصبايا يأكلون "الدونر" وسط ضحك ومشاغبات آسرة، مظاهرات لمطالب حقوقية، وعند المسرح يفترش الأرض أطفال حضانة يخفون البيض الملون وسط التراب والماء بين الانهماك والصمت والضحك والتبرم أحيانًا.
طفلة وأمها تتناجيان كصديقتين تتلذذان بطعم الآيسكريم، وتتحدثان وتضحكان وتجريان بسعادة لا تسعهما السماء، تصفق الحمام والقلوب قبل الأيدي لرؤية هذا المشهد اليومي، يتزامن كل ذلك مع مشهد المنحنين وهم يلهثون لتجميع القناني، آخرون يركضون خلف الحافلة فتذهب، ليضرب كفًا بكف: ياي، ياي... وما أكثرهم.
الموبايلات، الصور، القهقهات، أصوات تعلو هنا، وضحكة تعلو في نهاية الشارع، وإنصات لكبار السن وهم يجولون في هذا المشهد الكبير لعوالم مختلفة تكتنفه ساحة صغيرة.

إنها وجهتي اليومية لفني واندماجي الصغيرين، ألوذ بالوجوه الملونة لعيون أكثر تلوينًا، ولنظرات لا تسع الكون.
من كرنفالات هاينر فست، ومهرجان النبيذ، وأعياد الميلاد، وعيد الفصح، عالم التصوير، المتاحف، المسارح، السينما، الورش، المقاهي والمطاعم متعددة الثقافات، أنشطة يومية وموسمية تعلم المدينة ورمزيتها الثقافية والسياسية والاجتماعية.
للأسف بعض ما ذكرته تجهله وتفاخر بجهلها بلداننا المغلقة على تابوهات العيب والحرام، خصوصًا على النساء. الأغرب -بالنسبة لثقافتي- أن تشاهد الموسيقى تعزف وتصدح بالغناء بأصوات من لغات مختلفة لألمان ومهاجرين من أنحاء العالم، في قلب الكنائس، كونشرتو الفصول الأربعة لفيفالدي، وغيرها من الفرق الموسيقية، بل وأن تكون الكنيسة ملجأ، تأمنك لا تسألك من أنت، ولا عن ديانتك، توفر لك الدعم القانوني لقضيتك، وأن تجمع تبرعات لشعوب منكوبة، وأن تصطف نسوة نخبوية، لتروي حكايات الخوف والرعب من الاجتياح لطالبان ورعب النساء الأفغانيات، لكتاب Geliebtes Kabul، ووو.
لوحة لا تمل لوصف المدينة: الإنسان -المواطن -الفرد -التنوع كطبيعة بشرية.
في الهامش ستجد هنا وهناك نعرات عنصرية وتعصبًا، لكن يظل القانون ووجود الدولة والمجتمع المدني والمثقفين يقولون: لا.
**
ضمن فعالية الأسبوع الدولي لمناهضة العنصرية (16-29 مارس)، بمشاركة ناشطين ومنظمات حقوقية، سأتحدث عن فضاء دارمشتات التنوعي، وتعدديتها الهوياتية من خلال صورة كبيرة لوجوه متنوعة من عوالم مختلفة، معروضة على واجهة زجاجية كانت لمعرض كونست هاله 2018، للفنان الألماني هانز يورغن رابي (1952-2024) الذي جال العالم كصحفي ومصور، وخلد هذا التنوع الفوتوغرافي بوجوه التنوع الإنساني.

بحسب الاطلاع، وضع رابي مشروعه -حلمه الكبير في 2010، أن يلتقط 30 صورة من بين 33 موقعًا للوصول إلى 990 وجهًا، دون إدخال أي تعديلات في منتجة الصور، اليوم تلك الوجوه أصبحت جزءًا من صورة "دارمشتات"، بل وألمانيا وذاكرة الفن الفوتوغرافي في العالم المجسدة لمعنى المدينة وإنسانها الكوني.
أقف طويلًا متأملة هذا الأطلس البشري، كلما مررت قبالة فاترينا العرض: الوجوه الملونة، والنظرات، والتجاعيد، والتأمل وشرود الذهن المرهق، مساحة المرح، الملبس، العمر، وجه تلك المرأة الحالمة، والهائمة، ووجه الطفل الشقي، الرجل فاغر فاه، الدهشة في عيون امرأة إفريقية، تعابير تقول: اضحك علشان تطلع الصورة حلوة، ابتسم أنت في الصورة، واحزن أيضًا وأنت في الصورة، سيرورة الإنسان في كل تحولاته حاضرة هنا.
ليست مجرد وجوه، بل استنطاق للأعماق، حتى لو بدا الوجه صامتًا، لوحة بصرية للمدينة الكوزموبوليتانية، عنوانها: التنوع والتعددية، والتعايش والتسامح والمحبة والجمال، نقبل الآخر المختلف، فحق الاختلاف يعادل الحق في الوجود، كما يعادل الحق في المدينة في علامتها الأساسية: "المواطنة المتساوية" كحق إنساني وجودي لا يتجزأ، من حلم رابي الفوتوغرافي: أن نكون بشرًا بلا تمييز، وأن ننظر بعفوية في عيون بعضنا البعض مهما اختلفت عوالمنا.
سؤال التحسر والتعثر:
أين تقف بلداننا العربية الإسلامية، من لوحة هذا التنوع، الفضاء الملون، لبلداننا المقفصة والغارقة بإصرار بالماضي والأسود، والقبيلة والبداوة، وزعيق الفتاوى الدينية، وجه وجسد المرأة العورة، والشيطان، بلداننا التي بلا لون، عنوانها الهوية الأحادية الفاتكة بالأرض والإنسان، بمعنى الحياة، حيث الوجه المشطوب: العورة، وإن وجد فهو أسود مثقل بالأردية الفكرية والجسدية، بلداننا حيث الدين والمعتقد الأوحد، ومن خرج عنه، بل مجرد البوح به تسلط عليه سيوف التعصب السامة: ملحد وكافر ومرتد، بل ويقتص منه علنًا أمام حشود من القطيع تهلل وتكبر.
في هذه البلدان مدننا وحياتنا بلا وجه وصور، بلا لون، تلاوينها الحروب والجوع والمجاعة والجهل، والخوف، هم الوحيدون الملونون والمتجددون، والمنبعثون في كل آن.

أخيرًا:
هذه الفسيفساء البصرية، لـ990 Faces، تجسد فكرة "إن العالم يكتب بالصور"، وتستحضر المقولة الفلسفية الهيرقليطيسية "من المختلف يخلق أجمل مؤتلف"، إنه التعدد الذي يصنعه ويصيره الإنسان في أجمل وأعمق صوره: شجرة التنوع والتعايش والمحبة والجمال، حيث تناضل البشرية لتنتصر لهذه القيم، فتجسدها ممارسة في الفضاء العام: ألا تتكرر مآسي العالم الغارق بحروب العنصرية والكراهية، خصوصًا في هذا العالم الرقمي والتجييش، لنصل "اختلفوا، فلم يعد العالم يقبل بالنسخ"! -لاأدري من قائلها.
الشكر لمنظمة PASO، لدورها في مناصرة قضايا الإنسان، وخصوصًا المهمشين واللاجئين، بعناوين التنوع والتعايش وقبول الآخر المختلف، فالاختلاف لا يشكل تهديدًا على الإطلاق!
