رحيل الصوت الذي لم يبع حنجرته
في بيروت التي تشبه صوته بقدر ما يشبهها يغيب أحمد قعبور الفنان التقدمي الكبير تاركاً خلفه ما هو أبعد من أغنية وأعمق من لحن، منسحباً بهدوء من مشهد ظل فيه منحازاً منذ البداية دون أن يبدل موقعه أو يساوم على نبرته. المناضل الذي صاغ من وجع اللجوء وقسوة الحصار أناشيد للحرية لا تعرف الانكسار، فكان صوته جسراً يربط بين أزقة الطريق الجديدة وبين بيارات فلسطين الحزينة.
الفنان الذي عاش وفياً لرائحة الأرض وعرق الكادحين بعيداً عن أضواء الزيف وبريق المجاملات، كان صوته أقرب إلى ذاكرةٍ تمشي بين الناس، تلتقط وجعهم وتعيده إليهم أكثر صفاء فتصير "أناديكم" حالة تُعاش وتتحول "علّوش" و"يا رايح صوب بلادي" إلى ممرات خفية تربط الحنين بما تبقى من الأمل، حيث يختلط صوت الطفل بصورة المنفى ويصير الغناء شكلاً من أشكال التمسك بما يتآكل.
ظلّ بعيداً عن زينة المشهد قريباً من فكرته الأولى، يرفع صوته حيث يجب أن يُرفع ويخفضه حين يصبح الصمت أكثر بلاغة، وكأنه يحرس معنى الفن حين يوشك أن يُستهلك ويعيده إلى مكانه الطبيعي، إلى الناس الذين يشبهونه وإلى الشوارع التي لا تحتاج أكثر من صوت صادق لتقول ما فيها.
برحيله ينطفئ حضور كان يمر بخفة ويترك أثراً ثقيلاً. حضور لا يقاس بعدد الأغاني ولكن بقدرته على البقاء في الوجدان كلما ضاقت المساحة واتسع السؤال، وكأن صوته لم يكن سوى محاولة مستمرة لإبقاء الباب موارباً أمام فكرة الحرية حتى في أكثر اللحظات عتمة.