هشام المسكون بسيئون
بعض الصداقات تبدأ صدفة، ثم تمضي السنوات لتكشف أنها لم تكن صدفة عابرة، بل معرفة كتب لها أن تنمو مع الزمن. هكذا كان تعارفي مع الزميل والصديق العزيز هشام السقاف، في ثمانينيات القرن الماضي، في مسامرة ممتعة وزاهية بأضواء القمر الفضي المتراقصة على أمواج ساحل المكلا مع الأحباء الأجلاء: محمد الحداد، سعيد سبتي، محمد بامحيسون، وغيرهم من الرفاق والأشيديين في زمن حزب الطبقة العاملة الحاكم الذي لم يكن يسلم من قفشات هشام التهكمية اللاذعة.
يتضمن كتاب "النداء" هذا الذي أتشرف بتقديمه، باقة من المقالات -نشرت في الفترة من فبراير 2007 إلى أبريل 2011- والشذرات والرسائل المضيئة والموجزة لكاتب قدير، ساخر وساحر، ولا أخفي أني حين شرعت بإعادة قراءة ما كتبه هشام، أنه أخذني معه إلى تلك الأيام والأجواء والمناخات للتجوال في أرجاء سيئون، وفي أزقة المباني الطينية الشاهقة بشبام، وفي معابد تريم، وتحت ظلال النخيل والسدر وشوامخ جبال عمد ودوعن والهجرين، وذهبنا في جولة إلى أبرز المعالم السياحية في وادي حضرموت، وإلى مزارع خصبة، وفي مقدمتها مزرعة بافطيم الذي طالما كتب عنه إلى أن فارق دنيانا (82 سنة) في نوفمبر 2010، وأشاد بتجربة المزرعة النموذجية لهذا الفلاح العظيم صالح محفوظ بافطيم، الذي أصبح اسمًا عالميًا لأجود أنواع البصل، واسمًا موثوقًا لبذور ممتازة من الحبوب والخضار، فهو "ملك البذور" و"حاشا تهجر الوادي عصافيره".

لقد رسم هشام صورة بافطيم بمهارة، ونحتها بمزيج من وهج الشمس اللافح وطين الأرض السمراء، كما رسم كافة الشخصيات التي كتب عنها بمحبة وحنو وعمق ووفاء، وكذلك كان حاله مع الأمكنة وقصص الناس التي استعرضها، وفيها تجلى كسارد آسر.
في هذا الكتاب، يمكنك الوقوف أمام الأركان الخمسة للمدرسة الحضرمية "بما هي تربية وطباع وسلوك بأركان أربعة: علم، عمل، تقوى وورع، ويغفلون عادة ذكر عمادها الأساس: كسر السيف بما يعنيه ابتعاد شيوخ وعلماء الإسلام عن كراسي التسلط والحكم، فهم قدوة لا يتلاعبون بحيل ومكائد السياسية" (راجع الكتاب). ومن هنا نجحت هذه المدرسة في نشر الإسلام في أصقاع العالم، بالقدوة الحسنة، خلال السبعمائة عام الأخيرة، واجتذبت ملايين المنتمين.
في صفحات الكتاب يلتقي القارئ بمقالات ليست مرتبطة باللحظة فحسب، بل نصوص تحمل روح زمنها، وتحتفظ بنضارتها وقوة حضورها البهي حتى يوم الناس هذا، ويزدان بعضها بمطرزات شعرية غنائية لخالد الذكر الشاعر حسين أبو بكر المحضار.
ولعل تجربة هشام المهنية في إذاعة سيئون قد منحته حسًا خاصًا بأهمية يوميات الناس، وشحذت لديه موهبة الإنصات العميق لهواجسهم وانشغالاتهم، ولذلك جاءت كتاباته لتلامس نبض المجتمع، وتلتقط التفاصيل الصغيرة والبعيدة الأثر، وتعيد تقديمها في صورة فكرة، أو تأمل أو سؤال مفتوح.
إن قيام "النداء" بجمع وإصدار هذه المقالات في كتاب، يأتي بمثابة احتفاء بقلم جدير بالاحتفاء، واستعادة لصوت ظل وفيًا للكلمة ومعناها، وبين هذه الصفحات سيجد القارئ هشام كما عرفته منذ تلك السنوات البعيدة، إنسانًا يؤمن بأن للكلمة وزنًا، وأن الثقافة ليست ترفًا، بل هي أسلوب عيش، وطريقة نبيلة لفهم الحياة، وللانغراس في العوالم الداخلية للناس، ودعوة للفرح والرقص والدان والمغنى، والعلم والفلاح والتعليم والحوار والمحبة.
وأنا أقرأ هشام أدركت أن للزمن طريقته في حفظ الأشياء التي تستحق البقاء، تمضي السنوات، وتتبدل الوجوه والأماكن، لكن بعض الأصوات تظل متوهجة في الذاكرة، كأنها جزء من نسيج الأيام نفسها، ليس لأنها مرتفعة، بل لأنها أكثر صدقًا، وأكثر قدرة على الحضور في حياتنا، وهكذا ظل حضور هذا الصديق الذي يشبه ما تتركه العلاقة الصادقة من أثر هادئ وعميق في النفس، وقد كان هشام ومازال إنسانًا لطيف الروح، باسمًا، محتفيًا بالحياة، واسع الثقافة، متصالحًا ومنسجمًا مع نفسه، يربط بين ما يقول وما يفعل، فالكلمة عنده عهد لا ينقض.
ومع مرور الزمن أدركت أن الصحافة بالنسبة له لم تكن مجرد مهنة أو ساحة للكتابة، بل كانت نافذة يطل منها على أسئلة الحياة اليومية الشاغلة للناس، ولذلك اتسمت كتاباته بلغتها الصادقة، وبالتقاطاتها الموحية والذكية، وبالنبرة النقدية المصاحبة لكتاباته كلها.
في العام الماضي فرحت كثيرًا بسماعي خبر تكريم صديقنا هشام السقاف في إمارة الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة، من قبل اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي، تقديرًا لإسهاماته الإعلامية، وكونه أحد رموز الإعلام في المنطقة، إضافة إلى دوره في تأسيس وإدارة إذاعة سيئون. ولم يكن ذلك التكريم سوى اعتراف مستحق بمسيرة طويلة من العمل المثابر والخلاق في خدمة الكلمة والإعلام.
وعلى قدر ما غمرتني السعادة بخبر هذا التكريم الرفيع، فقد حز في نفسي كثيرًا ألا يحظى هذا المبدع الكبير بتكريم من بلاده، وفي بلاده المصابة بدوار الحرب، فهو يستحق ما هو أكثر من التكريم من هذه البلاد حين تستعيد رشدها، ومن الوادي والساحل الحضرمي، ومن اليمن إذا ما امتلكت مصيرها.
مسكون بسيئون
هشام السقاف معجون ومسكون بسيئون، وكلما ذكر اسم هذه المدينة، لمع اسمه في ذهني، وكلما سافر إليها صديق نصحته بالتوجه إليه، وإذا ما قدم أحدهم منها سألته عنه، وذات يوم من عام 2016، أخبرني الصديق علي السقاف أنه سيسافر في اليوم التالي إلى سيئون، في رحلة عمل، ويعتزم زيارة بعض المعالم، فبماذا يبدأ؟
فورًا ودونما تردد أخبرته بأن المعلم الأبرز في سيئون هو هشام السقاف، إنه مفتاح المدينة وبوابتها، صوتها وصمتها العميق، لحنها الشجي وأساها ولوعتها، وما عليك إلا التواصل مع إذاعة سيئون للسؤال عنه والوصول إليه.
الزميل علي السقاف من قرية الحضارم الذين قدموا إلى الحجرية قبل 300 سنة، وأقاموا بين أديم والقريشة، وقد أشرت عليه بالتوجه إلى هشام دونما استئذان من هشام، فأنا أعرف أنه سوف يستقبله ويحتفي به، ولم يخطر على بالي أنه سيذهب معه بعيدًا في اقتفاء أثر الأسلاف.
طوال الأسبوع الذي مكثه بسيئون لم ينقطع هشام عن زيارته وتعريفه على المعالم السيئونية، وذات يوم اصطحبه في رحلة طويلة إلى المدينة العريقة تريم، موطن أكثرية السقافين، حيث التقى بقضاة ودبلوماسيين من آل السقاف، وبالأستاذ القدير جعفر السقاف الذي كان يدنو من المائة عام، ويحتفظ بكامل تركيزه وانتباهه.
كانت زيارة علي السقاف حافلة ومثمرة بفضل ذلك الدليل النبيل والجميل، وقد عاد إلى صنعاء ليتحفنا بنوادر وخواطر وانطباعات جميلة للغاية.
ذلك هو بعض هشام، فهو كثير، متعدد، كتاب مفتوح ومتجدد، وقد كانت سعادتي بكتابه هذا لا تحد.
لك كل المحبة والامتنان يا هشام أينما كنت، وكل التقدير والشكر لـ"النداء"على هذا الإصدار وغيره من الإصدارات المهمة.
*"تقديم منصور هائل لكتاب "ظلال الوادي وحكايات الناس" الذي صدر ضمن سلسلة "كتاب النداء" في 15 مارس 2026.